ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: ﴿ربنا لم كتبت﴾ [النساء: 77] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: ﴿وإن﴾ أي قالوا ذلك والحال أنه إن ﴿تصبهم﴾ أي بعض المدعوّين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض ﴿حسنة﴾ أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان ﴿يقولوا هذه من عند الله﴾ أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت ﴿يقولوا هذه من عندك﴾ أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك.
ولما كان هذا أمراً فادحاً، وللفؤاد محرقاً وقادحاً، سهل عليه بقوله: ﴿قل كل﴾ أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية ﴿من عند الله﴾ أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في السيرة -:
" بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً ".
(25/ 52)
ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال منكراً عليهم: ﴿فما﴾ وحقرهم بقوله: ﴿لهؤلاء﴾ وكأنه قال: ﴿القوم﴾ الذي هو دال على القيام والكفاية، إما تهكماً بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان ﴿لا يكادون يفقهون﴾ لا يقربون من أن يفهموا ﴿حديثاً﴾ أي يلقي إليهم أصلاً فهما جيداً. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 383 ـ 385﴾