ويجوز نصبُ " خشيةً " على وجْه آخَر؛ وهو العَطْف على مَحَلِّ الكَافِ، وينتصب " أشدَّ " حينئذ على الحَالِ من " خَشْيَة "؛ لأنه في الأصْلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل: يَخْشَوْن النَّاسَ مثلَ خَشْيَةِ الله أو خَشْيَةً أشدَّ منها، فلا ينتصب " خَشيَة " تمييزاً، حتى يَلْزَم منه ما ذكره الزَّمَخْشَرِي ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحو من هذا عِنْد قوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: 200]. والمصدرُ مُضَاف إلى المَفْعُول والفَاعِل مَحْذُوف، أي: كَخشيتهم اللَّهَ.
فإن قيل: ظاهر قوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ يوهم الشَّكَّ، وذلك محالٌ على الله - تعالى -.
فالجواب: يحتمل الأوْجُه المذكورة في قوله ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ويجوز أن تكون للتنويع، يعني: أن منهم من يخشاهم كخشية الله، ومنهم من يخشاهم أشد خشية من خشية الله.
﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
قرأ ابن كَثيرٍ، وأبُو جعفَر، وحمْزَة، والكسَائِي: باليَاء رُجوعاً إلى قَولِه - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ﴾ والباقُون: بتاء الخِطَاب؛ كقوله: ﴿مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ والمعنى ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: 49]، أي: لا يُنْقَصُون من ثَوَابِ أعْمَالِهِم مثل فَتِيل النَّوَاةِ، وهو ما تفلته بيدِكَ ثم تُلْقِيه احْتِقَاراً. أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 501 ـ 504﴾. بتصرف يسير.
(25/ 49)
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاُ﴾.
مَكَّنَكَ من الدنيا ثم قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فلم يَعُدَّها شيئاً لك ثم لو تَصَدَّقْتَ منها بِشقِّ تمرةٍ لتَخَلَّصْتَ من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم.