﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم ﴿إن﴾ وجملة ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ خبرها، و (ما) إما بمعنى الشيء معرفة تامة، و ﴿يَعِظُكُمُ﴾ صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيء يعظكم به، ويجوز نعم هو أي الشيء شيئاً يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف، وإما بمعنى الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل نعم والمخصوص محذوف أيضاً، أي نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل قاله أبو البقاء ونظر فيه بأنه قد تقرر أن فاعل نعم إذا كان مظهراً لزم أن يكون محلى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في "المفصل"، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام (ما) إذا كانت معرفة تامة مقامه، وابن السراج أيضاً جوز قيام الموصولة لأنها في معنى المعرف باللام، واعترض القول بوقوع (ما) تمييزاً بأنها مساوية للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز، وأجيب بمنع كونها مساوية له لأن المراد بها شيء عظيم، والضمير لا يدل على ذلك، ومن الغريب ما قيل: إن (ما) كافة فتدبر، وقد تقدم الكلام فيما في ﴿نِعِمَّا﴾ من القراءات أ هـ ﴿روح المعانى حـ 5 صـ 64﴾
(24/ 78)
وقال ابن عاشور:
وجملة ﴿إنّ الله نعمّا يعظكم به﴾ واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت (إنَّ) في صدر الجملة عن ذكر فَاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت (إنَّ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد.
و (نعمّا) أصله (نعْمَ ما) رُكّبت (نعم) مع (ما) بعد طرححِ حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين.