وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة.
قلت: وهذا إجماع.
وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر.
والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جُمع.
ووجه النظم بما تقدّم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهْدَى سبيلاً، فكان ذلك خيانة منهم فانجرّ الكلام إلى ذكر جميع الأمانات؛ فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا.
وأمهاتها في الأحكام: الوَدِيعة واللُّقَطَة والرهن والعارِيّة.
وروى أُبَى بن كعب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تَخُن من خانك " أخرجه الدَّارَقُطْني.
ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدّم في "البقرة" معناه.
وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حِجَة الوداع: " العارِيّة مؤدّاة والمِنْحة مردودة والدَّين مُقْضى والزّعِيم غارم " صحيح أخرجه الترمذي وغيره.
وزاد الدّارَقُطْني.
(24/ 60)
" فقال رجل: فَعَهْدُ الله؟ قال: "عهد الله أحقُّ ما أُدّى" " وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في ردّ الوديعة وأنها مضمونة على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تُعدّى فيها أو لم يُتعدّ عطاءٌ والشافعي وأحمد وأشهب.
ورُوي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة.
وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلِف عنده فهو مصدَّق في تَلفه ولا يضمنه إلا بالتّعدي.