تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الرابع

اعتبار رأي الطبيب المعالج وشروطه

إن المفتي في مسألةٍ ما، تستدعي مزيد خبرة واختصاص، لا علاقة بها بالعلم الشرعي في الغالب، وإنما بالعلم التجريبي، أو الفني، أو المهني، ونحو ذلك، هو بمثابة القاضي في الأحكام، يلزمه الرجوع للخبراء، واستشارة أهل الفن والمعرفة.

قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (1).

فلا يخبر المرء بحقيقة الأمر، وبواطنه وغوامضه، مثل من هو عالم بدقائقه، بصير بتفاصيله، ومن كانت هذه حاله وجب الرجوع إليه في ذلك، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما هو مقرر في الأصول.

قال الماوردي: (يرجع الحاكم (2) في التقويم (3) إلى غيره؛ لأن لكل جنسٍ ونوعٍ: أهل خبرةٍ، وهم أعلم بقيمته من غيرهم) (4).

وعقد ابن فرحون في تبصرة الحكام باباً في القضاء بقول أهل المعرفة، وقال: (ويجب الرجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة) (5).

وتبعه على ذلك الطرابلسي الحنفي في معين الحكام (6).

ومما يشهد لذلك في السنة؛ اعتبار قول القائف لخبرته وعلمه بهذا الفن.

يقول ابن القيم معلقاً على الاستناد إلى القافة: (والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكمٌ يستند إلى درْك أمورٍ خفية وظاهرة، توجب للنفس سكوناً؛ فوجب اعتباره، كنقد الناقد، وتقويم المقوّم) (7).

فتبين مما تقدم أن المفتي في بعض المسائل، لا يستطيع أن يحرر فتوىً، أو يصدر حكماً شرعياً، بدون تصور المسألة، وإفادة أهل الاختصاص له في ذلك.

ومن ذلك ما طرأ في الطب الحديث، من كثير من الأدوية والعقاقير، وما حصل أيضاً من تنوّع للأمراض وتجددها، وتفاوت أحوالها من حيث الخطورة والتوسط والاعتدال، مما لا يمكن معها إصدار وصفٍ منضبطٍ لها من غير الأطباء المتخصصين في هذه المجالات.

وقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين، إلى أن الأمر في ذلك يعود لتقدير الطبيب ورأيه، في كثير من الحالات، مهما أصدرنا أحكاماً إجمالية، أو أُطراً عامة (8).

وهذا حق، لا ينبغي أن يكون مجالاً للخلاف عليه.

(1) فاطر: 14.

(2) أي: القاضي، ومثله: المفتي.

(3) وغيره، مما يحتاج فيه إلى خبير وعالم به.

(4) الحاوي (16/ 201).

(5) (2/ 72).

(6) (ص130).

(7) الطرق الحكمية (ص219).

(8) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 185، 275، 280، 281، 413). وكان مفتي الديار السعودية، ورئيس قضاتها، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله (ت 1389هـ)، ممن يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء، بل وينقض أحكام من دونه من القضاة، مستنداً إلى رأي الأطباء. يراجع: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (11/ 223 - 225).

مرض السكري والصوم · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مرض السكري والصومص ١٩