تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخلاصة أن التثليث الذي يدعون أنه هو التوحيد وأن الثلاثة إله واحد قول مناقض للعقل، وهم مختلفون في كيفية كون الثلاثة إلهاً واحداً كما بينا في الفصل الخاص باختلافهم في حقيقة دينهم، والشاهد هنا أن القول بالتثليث وأنه عين التوحيد قول مناقض للعقل، ومبادئ الحساب.

ج- من خصائص الإله الحق أن يكون هو الخالق والرازق والمبدع للكون، والمحيط علماً بكل شيء، ومن أجل ذلك يكون من حقه على العباد أن يعبدوه، لا يشركون به شيئاً لأنه ربهم، وخالقهم، ورازقهم، ومدبر شئونهم، وهم المحتاجون إليه الفقراء إليه، وأما هو فغني عنهم، لا يستطيعون أن يضروه، ولا يستطيعون كذلك أن ينفعوه .. لأنهم إن كانوا يستطيعون نفعه كان هو الفقير إليهم المحتاج لهم، وهم المتفضلون عليه، وإن كانوا يستطيعون ضره كان عاجزاً ضعيفاً لا يستحق العبادة، وهذه هي خصائص الألوهية وخصائص العبودية، فالعبودية محلها الذل، والاحتياج، والفقر، والربوبية محلها الترفع، والكبرياء، والقهر، والغنى ..

وإذا كان الأمر كذلك فإن العبد يكون في مقام العبودية لإلهه، ومولاه فيعبده، ويصلي به، ويسجد له، ويخافه، ويهابه .. والرب يكون في مقام المعبود ..

وهؤلاء النصارى الوثنيون المشركون قلبوا الأمور، فجعلوا الرب في محل الذل، والفقر، والخدمة للعبد، فعيسى -عليه السلام- عندهم جاء ليخدمهم وليحمل ذنوبهم، ويكفر بنفسه عن أخطائهم، ويستدر رحمتهم، وعطفهم عليه، وبكاءهم من أجله، ورثاءهم له وجعلوا من شرط النجاة، والخلاص، ودخول الملكوت في الآخرة أن ترحم أنت الإله، وتبكي من أجله، وتأسى لأحزانه، وتتألم لصراخه على الصليب الذي كان كما يقولون يقطع القلوب، وتعترف أن هذا الإله المصلوب جاء ليخدمك ويتوب عنك، ويحمل أوزارك ..

وأي عقل سليم لا يستسيغ مطلقاً أن يكون الذليل إلهاً، والذي يبكي على الصليب معبوداً، والذي يتوجع لأنه لا يملك بيتاً يضع رأسه فيه في حين تملك الطيور أعشاشاً والثعالب أوجاراً، مالكاً للسماوات والأرض متصرفاً في الكون؟!!

فهل هذا الإله المصلوب يستحق إلا الرثاء، والبكاء لآلامه وأحزانه، وهذه ليست عبادة، لأن العبادة الحقة تعني الذل، والخضوع، والخوف، والرهبة، والإنابة، والتعظيم، والحب، وعيسى -عليه السلام- كما صوره النصارى لا يستحق إلا الشفقة عليه والرحمة له، ومثل هذا لا يكون قط إلهاً ورباً.

والخلاصة أن دين النصرانية وشركهم وتثليثهم وقولهم بالصلب، والفداء والخطيئة والخلاص .. لم يأت به دليل في النبوات الأولى، وكل ما نقل عن عيسى -عليه السلام- فهو يناقضه، ويخالفه، ولا يستسيغه عقل سليم قط، وهو دين ابتدعه بولس اليهودي، واخترعه الرومان الذين أرادوا الدخول في النصرانية دون أن يفارقوا عقائدهم الوثنية في تعدد الآلهة، وفي أن الإله يجب أن يكون في خدمة البشر، لا أن يكون البشر في خدمة إلههم، ومولاهم!!

شهادة الإنجيل · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهادة الإنجيلص ٥٥