تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو أن نسبة الصواب مع جمهور المهتدين أكثر منه مع الواحد والاثنين، ولا يمنع أن يكون أحد المهتدين أحيانا معه الحق دون جمهورهم ولكن هذا شذوذ وندرة. فلا شك أن عامة المسائل التي اتفق عليها جمهور الصحابة مثلاً كان الحق معهم دون من شذ منهم، ولا يمنع أن يكون الحق مع القليل أحياناً ولكنه كما قلنا شذوذ عن القاعدة. والشاذ كما يقال لا حكم له. ومعلوم أن الصحابة قد أخذوا في جمع القرآن بقول الكثرة والتواتر، وتركوا نقل الواحد والاثنين وهذا منهم عمل برأي الأغلبية.

* والخلاصة أن المصلحة الشرعية بكل أبعادها تقتضي اليوم أن يكون القرار النهائي لإجماع الأمة، ثم جمهورها ولا يجوز بتاتاً -قطعاً لدابر الفرقة- أن يكون القرار النهائي للفرد مهما كان هذا الفرد علماً وورعاً ومعرفة بالواقع؛ لأنه لا يوجد المعصوم، وبالتالي فالاجتهاد الجماعي دائماً أقوى من الاجتهاد الفردي، ونسبة الحق مع الجماعة أكبر منه مع الواحد.

ثم إن المؤسسات أبقى من الأفراد فعمر الأفراد محدد وقليل، وعمر الأمم والجماعات أطول من هذا بكثير، ودوام الأمة والجماعة هو بدوام الألفة والمحبة، ولا ألفة ولا محبة إلا في ظل القرار الجماعي الذي يشعر الجميع أنهم قد شاركوا وأسهموا فيه، وأن رأي الأغلبية هو المقدم في النهاية على رأي الفرد والأقلية.

وهنا نأتي إلى السؤال المعروف: ومن له الحق في الشورى؟

هل الأمة كلها؟ فهذا متعذر أو مستحيل، وفي الجماعة: هل هم الأفراد جميعاً؟ وهذا كذلك صعب أو متعذر.

والجواب أنه بالنظر إلى الشريعة المطهرة يتضح الآتي:

1 - أن الأمور الشورية هي في مجالات التطبيق فقط وما يسميه علماء الأصول بتحقيق المناط فأصول الأحكام ليست محلاً للنظر والاجتهاد كحرمة الخمر والزنا، ووجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج.

2 - أن الشريعة لم تحدد من الذين يستشارون في الأمر؟ وكم عددهم؟ وكيف؟ وإنما تركت ذلك للاجتهاد. وقد رأينا أن الرسول كان يستشير خلاصة أصحابه كالصديق والفاروق ومن له اختصاص بالأمر المشاور فيه. وكذلك كان الصديق رضي الله عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاور كبار المهاجرين أولاً، ثم كبار الأنصار، ثم مشيخة قريش على الترتيب .. وكان إذا اتفق فريق منهم على شيء أمضاه، وكان قراء القرآن وأهل العلم به هم خاصته ومستشاروه. ونخلص من ذلك أن سن القوانين التي تحقق هذا الهدف بالصورة المثلى هو

أصول العمل الجماعي · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول العمل الجماعيص ٣٣