والخلاصة أن النسبة والتميز جائز في حد ذاته ما دام أنه يراد به التعاون على البر والتقوى والتجمع على ما أباحه الله أو فرضه أو حث عليه .. بل إن التجمع يكون واجباً إذا كان لأمر لا يتم إلا بالتجمع عليه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وذلك كدفع عدو غزا أرض المسلمين لا يتم دفعه إلا باجتماع وجماعة وأمير ونظام .. فيكون التجمع والجماعة والأمير والنظام هنا واجباً فرضاً لأنه لا يتم الواجب إلا بذلك.
وكذلك الحال في فروض الكفايات التي ضيعها كثير من حكام المسلمين كنشر الإسلام، وتعليم المسلمين، وإقامة المساجد، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذب عن دين الإسلام.
لا شك أن كل ذلك لا يأتي إلا بجماعة ونظام وما دام أنه لا يتم إلا بذلك فيكون النظام والجماعة واجبين من أجل ذلك.
وأعود فأقول إن المنهي عنه شرعاً هو التعصب للجماعة والانتصار لرأيها حقاً وباطلاً. ومن أجل ذلك قلنا هنا إنه يجب ترشيد عمل الجماعات الإسلامية حتى تتمحص الإيجابيات وتختفي السلبيات ويكون هذا الترشيد كما يلي:
1 - الاعتقاد بأن نصر الدين، وإعادة المسلمين إلى سلم المجد وإقامتهم على الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض كل ذلك لا يكون إلا بتضافر جهود العاملين جميعاً في حقل الدعوة، وتعاونهم وتآزرهم وتآخيهم، وهذا التعاون لا يمنع التنافس الشريف، والتسابق في الخير والهدى والبذل والتضحية، كما كان شأن الأوس والخزرج، وبين الصحابة أنفسهم، كل يسابق الآخر، ويريد أن يسبقه، وكل يقدم ما يستطيع من أجل نصر الدين، وإعلاء كلمة رب العالمين.
2 - إفساح المجال للنقد البناء، وكشف الأخطاء، والاستفادة من تجارب الماضي ومن سقطات الدعاة من أجل أخذ العبرة والذكرى وعدم تكرر هذه الأخطاء، وحتى لا تصبح أخطاء الدعاة، وسقطات الجماعات جزءاً من المنهج، ويظنها الناس عملاً صالحاً وأمراً متحرراً فتتحول البدع والأخطاء إلى معالم على طريق الدعوة، وكمالات عند الدعاة.
3 - انتهاج طريق الإصلاح لما أفسده المفسدون والإبقاء على الصالح من بناء الأمة، وترميم ما هو آيل إلى السقوط، وبذلك ندعم البناء، ونجدده شيئاً فشيئاً .. ولا يمر زمن يسير حتى يكون البناء الإسلامي قد استكمل استواؤه وتجددت عمارته .. وأما طريق الهدم للأمة، ومحاولة البناء من جديد فهي طريقة تخريبية، ستؤدي، وقد أدت فعلاً إلى هدم ما هو قائم الآن من بناء الأمة وجعلها كلها في العراء، وكشفها لأعدائها وخصومها، بل معاونة هؤلاء الأعداء في الإجهاز على البقية الباقية من حشاشة الأمة.