وهذه القاعدة لو فهمت على وجهها الصحيح فإنها ستوفر على المسلمين جهوداً طويلة شاقة، وعناء كبيراً جداً بل إن كثيراً من الشرور والآثام إنما جاءتنا وابتليت بها الأمة من كل متسرع عجول يرى أو يسمع شيئاً من أمر الدين فيفهمه على غير وجهه، ويتسرع في حكمه فيفسد ويضل ..
انظر إلى ذلك المتسرع الجاهل العجول الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوزع غنائم هوازن على غير القسمة المعهودة، فيعطي مسلمة الفتح ويحرم الأنصار والمهاجرين فيظن أن الرسول حابى أهله، وتودد إلى أقاربه وبني عمومته، وجافى خلّص أصحابه فقال للرسول (اعدل يا محمد فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله!!) (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري).
انظر إلى كثير من المتعجلين الحمقى الذين انتشرت فيه إشاعة ابن سبأ اليهودي بشأن عثمان رضي الله عنه ففهموا أعماله على غير وجهها واتهموه بما هو براء منه. وانتهى بهم جهلهم وحماستهم الباطلة بأن استباحوا دمه، وقتلوه، وفتحوا أعظم باب للشر على هذه الأمة.
وانظر بعدهم فرقة الخوارج الذين فهموا الدين على غير وجهه وعابوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأنكروا عليه ما ظنوه مخالفاً للدين وليس كذلك من رضائه بالحكمين. وعدم إجهازه على جرحى موقعة الجمل، وامتناعه تقسيم غنائمهم على المحاربين معه ونحو ذلك مما لم تبلغه عقولهم، ولم يفقهوه .. فما كان منهم إلا سبه وتكفيره ثم استحلال دمه وقتله .. وهذه الطوائف الجاهلة ظلت تخرج على المسلمين بفقهها الأعوج، وحماسها الأهوج في كل وقت وحين مخلفة آثاراً مدمرة، وجراحاً عميقة في الجسد الإسلامي، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيهم: [يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان] (أخرجه البخاري عن أبي سعيد)!! وقوله: [يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم] (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وتقدم برقم (46))، أي لا يصل إلى قلوبهم من قلة الفقه والفهم.
ولو أن أمثال هؤلاء وعوا هذا الأصل، وهو وجوب التريث في الحكم، والأناة والصبر وسؤال أهل العلم والرأي، والرجوع في المشكلات والمستعصيات إلى أهل العلم والحلم لوفروا على المسلمين كثيراً من الجهود الضائعة، ولجنبوا أهل الإسلام كثيراً من الفتن الماحقة.
لقد حذر السلف رضوان الله عليهم من التسرع والجهل والحماسة في غير موضعها.
كما روى البخاري بإسناده إلى سهل بن حنيف رضي الله عنه قوله: (أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد كدت أن أرد على رسول الله أمره يوم حادثة أبي جندل) وهذه موعظة في غاية الحسن، فسهل بن حنيف من أحلم الناس ومن أوسعهم عقلاً وحكمة وهو يقول عن نفسه أنه كاد أن يخرج من الإسلام، ويرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيعته بعد ما وقع الرسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية والذي كان من شروطه أن يرد المسلمون إلى الكفار من جاء إليهم مسلماً ولا يرد الكفار من جاءهم من