وكذلك فتح الرسول صلى الله عليه وسلم قنوات الاتصال مع كل ملوك الأرض في الجزيرة العربية وخارجها يدعو ويعظ ويرسل الرسل، ويستقبل رسلهم، ويكرمهم على كفرهم وبقائهم على دينهم، ويؤمنهم في أرض الإسلام، ويقبل هدايا الملوك التي يرسلونها له وهم على كفرهم، ولا شك أن طائفة عظيمة جداً من الدعاة اليوم يجهلون أموراً كثيرة من ذلك، وإن قرأوها في السيرة لا يدركون معانيها، بل إن كثيراً منهم ليظن أن مجرد لقاء بين مسلم ويهودي، أو مسلم ونصراني، أو قبول هدية، أو عقد مناظرة، أن كل ذلك يناقض الدين، بل قد يتهم من يفعل ذلك بالمروق والكفر والعمالة والخيانة .. الخ، والحق أن الاتصال السياسي في نفسه بين أي مجموعة أو جماعة أو حكومة إسلامية، وبين كفار ليس إثماً في ذاته ولا كفراً ولا مروقاً ولا عمالة وإنما المهم ما يقال وما يتفق عليه، وما يتم من عهود ومواثيق، وما يتوصل إليه من نتائج.
ولا يتصور مطلقاً أن تكون هناك هيئة سياسية إسلامية ولا علاقة بينها وبين غير المسلمين إلا القتال، بل إن القتال نفسه لا بد فيه من إنذار ورسل، وإستقبال رسل منهم، ودعوة إلى الإسلام .. وقبول بالعهد، والسلم، إن كان هذا في صالح الجماعة المسلمة، فكيف إذا كان اللقاء مع فئة غير إسلامية من أجل دعوة، أو تسوية مشكلة، أو تعاون على بر، أو مناظرة حول قضية مختلف فيها، أو تشاور فيما ينفع الطرفين .. ونحو ذلك.
إن اللقاء بين مسلمين وكافرين، أو مخالفين، مهما كان خلافهم ليس إثماً في ذاته ولا يدان به شخص وإنما الاثم حقاً، والإدانة: أن يكون هناك اتفاق ضد مصلحة المسلمين، أو تعاون على الإثم والعدوان، أو تفريط في عقيدة حقة، أو إقرار لعقيدة باطلة ونحو ذلك.
ومن أجل هذا يجب على الدعاة إلى الله أن ينفتحوا على الجميع ويحاوروا الناس كافة، وتكون قنوات اتصالهم دائماً مفتوحة مع كل الأطراف، وكل الاتجاهات مع التزامهم جانب الحق، ووقوفهم مع عقيدتهم ودفاعهم عن دينهم، وألا يبرموا قراراً، أو يعطوا عهداً إلا إذا كان فيه مصلحة لعقيدتهم ودينهم، وتمكيناً لهم.
إن انفتاح المسلمين هكذا على الجميع، ومحاورتهم لكل مخالف، ودعوتهم الناس كافة إلى الحق، وتمسكهم به، وتقديرهم لمصالحهم الشرعية، وتحالفهم مع غيرهم، حيث يكون في التحالف قوة لهم، ورفضهم التحالف مع غيرهم حيث يكون على حساب دعوتهم وعقيدتهم، واهتدائهم في كل ذلك بسيرة نبيهم، وخلفائه الراشدين، واستفادتهم بعبر التاريخ، وسير الأحداث، سينتهي بهم ولا شك بالتمكين في الأرض، وإعلاء عقيدتهم ودينهم، ولكن انغلاق المسلمين عن الناس وعدم معرفتهم بهم، وظنهم أن الجميع أعداء لهم، وأن كل من يخالفهم في العقيدة فلا يجوز الجلوس معه، ولا التحدث إليه .. إن مثل هذا مدمر للدعوة الإسلامية مزيح لها عن صدر الحياة، وقيادة الناس،