وفي هذه المسألة تفصيل ليس هنا مكان شرحه وبسطه، والمهم الآن هو بيان أن جبهة الإسلام في مقابلة الكفر لا يشترط أن تكون إسلامية خالصة بل إن كان من آثر أن يكون في جانب المسلمين فإنه لا يدفع ويطرد بل يقبل وينصر، ويدافع عنه، ما دام أنه قد آثر صف المسلمين، وأحب نصرهم، واختارهم على غيرهم.
ومثل هؤلاء ليس من الدين بل ولا العقل والمنطق أن يطردوا ويزجروا، ويمنعوا من الوقوف في صف المسلمين، ونصرهم للدين، مهما كانت نياتهم وأغراضهم، اللهم إلا أن يكونوا عملاء للكفر مدسوسين في صف المسلمين، فهؤلاء شأنهم شأن آخر يجب الحذر منهم وعدم اتخاذههم بطانة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ (آل عمران:18).
ولا شك أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يلوذ بالمسلمين محباً لهم راغباً في نصرهم وإن كان على غير دينهم وملتهم، وبين من يلجأ إلى المسلمين مريداً فتنتهم، وشق صفوفهم والتطلع على عوراتهم .. ولا شك أنه لا يخفى حال هذا وهذا الواجب هو الحذر والحرص ووضع كل أمر في نصابه، وعدم الحكم على الصنفين بحكم واحد، وجعل كل من ليس مسلماً على نمط وشكل واحد، فإن هذا ينافي السياسات الشرعية بل الحكمة والعقل.
تاسعاً: قنوات الاتصال يجب أن تكون مفتوحة مع الجميع:
شاع عند المسلمين في الآونة الأخيرة، وعند الدعاة منهم والمتحمسين للدين بصورة خاصة أنه لا يجوز الاتصال مطلقاً بالكفار أعني بالجهات السياسية منهم، وهم يتصورون أنه في ظل دولة إسلامية لا تكون علاقة دولة إسلامية مع الكفار إلا عن طريق الحرب فقط، وأنه ليس هناك لقاء مطلقاً، وهذا خطأ بالغ وجهل بالسيرة والتاريخ والسياسة الشرعية في التعامل مع غير المسلمين، فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت قنوات الاتصال بينه وبين الكفار على اختلاف أشكالهم قائمة، فقد جلس مع اليهود وجادلهم، وناقشهم، وعاهدهم، ثم حاربهم لما نقضوا عهده، وانتصر على بعضهم ثم عاهدهم كما حدث مع يهود خيبر، حيث أقرهم الرسول في خيبر وشارطهم على نصف ثمارها .. وكان الاتصال بهم دائماً في حدود ما شورطوا عليه، وكذلك فعل الرسول مع النصارى، ناقشهم واستضاف بعضهم وأمنهم على أنفسهم كما حدث مع "عدي بن حاتم الطائي"، ودعاه للإسلام، وكذلك ناقش نصارى "نجران" وعاهدهم وصالحهم، وكذلك مع جميع أصناف المشركين في الجزيرة: وادع بعضهم، وعاهد آخرين، وحارب بعضاً منهم ممن آثروا حربه، ووضع الحرب بينه وبينهم كما فعل مع "قريش" في "الحديبية"، ثم حاربهم عندما نقضوا عهده، ثم عفا عنهم وهم ما زالوا على كفرهم بعد أن انتصر عليهم.