جاء في حديث أبي هريرة " إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا، حتى تصوموا رمضان " رواه الخمسة، وهو لا بأس به، وإسناده جيد، وفيه دلالة على النهي بعد انتصاف شعبان.
وهذا فيه النهي قبل رمضان بصوم يوم، أو يومين، فقال جمع من أهل العلم: إنه يحرم قبله بيوم أو يومين، وقبله بأكثر من يوم أو يومين، مثل ثلاثة أيام، وخمسة أيام، يكره؛ لأن مفهوم هذا الخبر أن ما سواه لا بأس به، جاء ذاك الخبر: " إذا انتصف، فلا تصوموا ".
نجمع بين الدليلين، بحمل قول: " لا تصوموا " على الكراهة، بدلالة الجواز المفهوم من قوله " لا تقدموا "؛ ولهذا نقول لأن الاحتياط أو توهم الاحتياط بعد النصف، قبل وصول رمضان ضعيف، من جهة أنه رمضان، حتى لو بقي عليه نحو نصف الشهر.
ويقرب تلبيس الشيطان، كلما كان قريبا من الشهر، إذا كان قريبا جدا لم يبق إلا يوم أو يومان، فربما زعم أنه يحتاط للشرع، فلا يجوز، أما إذا بعد، فلا يأتي قضية أنه يحتاط لهذا الشهر، ويكون مكروها، جمعا بين الأدلة.
وبالجملة لا يصام بعد النصف من شعبان، هذا هو ظاهر النصوص، وقد يقال: إن هذا أخبر بالنهي عن صوم يومين، ثم أخبر بالنهي عن انتصاف من شعبان، لكن الجمع الأول ماشٍ على القاعدة، في الجمع بين الدليلين عند اختلافهما، أو تعارضهما.
أما إذا صام قبل النصف فلا بأس؛ ولهذا كان -عليه الصلاة والسلام- يصوم شعبان، في حديث عائشة: " كان يصوم شعبان كله " في البخاري، وعند مسلم: " يصومه إلا قليلا " وهو لم يصمه كله -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قالت عائشة -كما في صحيح مسلم-: " ما استكمل رسول الله - شهرا كاملا قطُ إلا رمضان ".
وهذا يوضح الحديث عن أم سلمة " أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يصل شعبان برمضان " يعني أنه كان يصوم أغلبه، وأكثره، والعرب يطلقون يقولون: قمت الليل كله، أو مثلا صمت الشهر كله، أو ما أشبه ذلك، ويريدون الأغلب والأكثر، وهذه طريقة معروفة عند العرب.