ويظهر -والله أعلم- أن هذا ليس في كل جنازة, وإنما هذا نقل في هذه الجنازة, وأنه من إخباره -عليه الصلاة والسلام-, وإلا لا يعلم مشي الملائكة إلا بإخباره.
فتأكد الأمر, وجاء به خبر آخر في سنده ضعف أنه قال -عليه الصلاة والسلام- لأناس: " ألا تستحيون! الملائكة مشاة, وأنتم ركبان " وأنكر عليهم.
قد يبين أنه إذا كان عَلِمَ معه الملائكة -كما في خبره عليه الصلاة والسلام عن ذلك-؛ أن يتأكد الأمر, بخلاف عموم الجنائز, التي يجهل حالها, فالأصل: هو جواز المشي, وجواز الركوب, لكن المشي في اتباعه هو الأفضل, يعني: المشي هو الأفضل, وإذا أراد أن يعود, فلا بأس أن يركب؛ فقد ركب -عليه الصلاة والسلام-.
حديث: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا
وعن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: " نهينا عن اتباع الجنائز, ولم يعزم علينا " متفق عليه.
مثل ما لو جاء في الأخبار الصحيحة أنه: " نهانا رسول الله - عن اتباع الجنائز " دلالة على أن المرأة لا تتبع الجنازة, كما أنها لا تزور القبر.
وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه مكروه؛ لقولها: " ولم يعزم علينا " والصواب: المنع, والتحريم؛ أول شيء: لظاهر النهي, الأمر الثاني: أن قولها: "لا يعزم علينا" لا يشترط في النهي أن يكون مؤكدا.
فالإنسان: لو جاءك نهي من الشارع؛ لا تقل: جيب لي نهيا مؤكدا, ولو جاءك أمر من الشارع؛ لا يجوز الإنسان يقول: ما أعمل حتى تجيب لي أمرا مؤكدا, لا! أقول: أوامر الشرع يعمل بها أمرا ونهيا, ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (1) ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (2) يسمع ويطيع في جانب الإقدام والإحجام, في الأمر والنهي, هذا هو الأصل.
(1) - سورة الأحزاب آية: 36.
(2) - سورة البقرة آية: 285.