انظروا رحمكم الله إلى الدنيا بعين الحقيقة: فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها جديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودّها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن يقال: فلان عليل فهل إلى الدواء من سبيل؟ فيدعي لك الاطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال: فلان قد أوصى وماله أحصى، ثم يقال: فلان ثقُل لسانه فلا يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، فبكى إخوانك، وقيل: هذا أبيك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام، فلا تنطق، وختم على لسانك، فلا ينطلق، ثم حلّ بك القضاء، وانتزعت النفس من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، واجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حُسّادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهناً بأعمالك. فعلينا أن لانأمن الدنيا ونتخذ من وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر - رضي الله عنه - مرشداً إلى الطريق القويم قال: (يا أبا ذر: أحكم السفينة فإن البحر عميق، واستكثر الزاد فإن السفر طويل، وخفّف ظهرك فإن العقبة كؤود، وأخلص العمل فإن الناقد بصير).
قال علىّ - رضي الله عنه -: من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلباً ولاعن النار مهرباً: من عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاتقاه، وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الآخرة فطلبها.
يا أخي المؤمن: عجبت لمن يعرف الموت كيف يلهو، وعجباً لمن يعرف النار حق كيف يلعب، وعجباً لمن رأى الدنيا وتقبلها بأهلها كيف يطمئن إليها، وعجباً لمن يعرف القدر حق كيف ينصب؟.
لو تطالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما ادخر لها في حجب الغيب من نعيم الآخرة، لم يصف لها في الدنيا عيش، ولم تقر لهم في الدنيا عين.