أورد الحافظ المُنْذِري في كتابه ((الترغيب والترهيب)) ، في كتاب العِلْم ، في (باب الترهيب من كَتْمِ العلم) ، وكذلك الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ، في كتاب العلم أيضاً ، في (باب تعليم من لا يَعْلَم)(1) الحديث الشريف التالي :
4 ـ عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أَبْزى ، عن أبيه ، عن جدِّه : عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه قال: ((خَطَب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ، ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً ، ثم قال : ما بالُ أقوامٍ لا يُفَقَّهون جيرانَهم؟! ولا يُعلِّمونهم؟! ولا يُفَطِّنونهم(2)؟! ولا يَأمُرونهم؟! ولا يَنْهَوْنَهم(3)
(1) ـ ((الترغيب والترهيب)) 1 : 86 ، و((مجمع الزوائد)) 1 : 164 . وذكره السيوطي في ((الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور)) 2 : 301 فقال : ((أخرج ابن راهُوْيَهْ والبخاري في (الوحدانيّات) ، وابن السَّكَن وابن مَنْدَه والبارودي في (معرفة الصحابة) ، والطبراني وأبو نعيم وابن مَرْدُوْيَه ، عن ابن أبْزى ، عن أبيه... )) . وقد صحَّحتُ بعض ما وقع في هذا الحديث ، ومن تحريفٍ في بعض الكتب عن بعضها .
(2) ـ في رواية ((الترغيب والترهيب)) هنا وفي كل ما يأتي : (ولا يَعِظونهم) .
(3) ـ أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ...) ، إلى عِظَم حقهم على إخوانهم العالمين ، وجيرانهم العارفين ، وذلك لحق أُخوّة الإسلام بينهم ، ولحقّ الجِوار معها أيضاً .
وحقُّ الجوار في الإسلام كاد يكون بمنزلة حق الرحم الموجِب للميراث : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننتُ أنه سيُورِّثُه)). فقد نبَّه عليه الصلاة والسلام بهذا على أن الجار قارَبَ أن يكون وارثاً من مال جاره ، بسبب الجوار ، وهو قُربُ الدار .
وللجوار مراتب : منها المُلاصَقة ، ومنها المخالَطة ، بأن يَجمعهما مسجدٌ أو مدرسة أو محلة أو سوق أو نحوُ ذلك ، والميراث قسمان : حِسّي ومعنوي ، فالحسّي هو المال ، والمعنوي هو العلم ، فإن حقَّ الجار على جاره تعليمُه ما يجب وما ينفع ، وأنفَعُ ما ينفع هو العلم ، فهو من آكد حقوق الجار على الجار ، صلواتُ الله وسلامُه على معلِّم الناس الخيرَ ، وهادي البشر جميعاً .