وفي هذه الكلمات أيضاً هَدْيٌ وإرشادٌ لما ينبغي أن يكون عليه المعلِّم في سيرتِه ، وفِكرِه ، وخُلقِه ، وعملِه ، ومعاملتِه ، ومنطِقِه ومَظهرِه ، ومخبرِه ... (لقد كان لكم في رَسولِ اللهِ أُسوةٌ حسنة)(1) .
قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماورْدي البَصْري البغدادي ، أقضى قضاة عصره ، المولود سنة 364 ، والمتوفى سنة 450 رحمه الله تعالى ، في كتابه ((أعلام النُبُوّة)) في (الباب العشرين) وغيره ، وهو يتحدَّثُ عما خَصَّ اللهُ به رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم من المزايا والخصائص ما مُلَخَّصُهُ(2)
(1) ـ من سورة الأحزاب ، الآية 21 . وقد جاء في هذه الكلمات بعضُ جُمَل تتصل بحال النبوة وسِماتها ، فأبقيتُها ، لأنها من تمام الحديث عن هذا النبي الكريم والمعلِّم العظيم ، صلوات الله وسلامُه عليه . وقد نقلَ هذه الكلمات بطولها العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى ، في كتابه ((دلائل التوحيد)) ص 181 ـ 196 من طبعة دمشق ، وص 156 ـ 169 من طبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية بالقاهرة ، حين تحدَّث عن الرسول الكريم ودلائل نبوته وصفاته الشخصية العظيمة .
ووقع في النسخة المطبوعة من كتاب ((أعلام النبوة)) للماوردي المنقول عنه هذه الكلمات ، تحريفات وتصحيفات كثيرة ، وكذلك وقعَ ـ تبعاً ـ في كتاب ((دلائل التوحيد)) ، فاجتهدتُ أن أَخلُصَ منها ، وما استطعتُ أن أنجو منها جميعاً في نظري ، والله ولي التوفيق .
(2) ـ ومن غريب التوافق أن المعاني التي أشار إليها الإمامُ الماورديُّ إمامُ المشرق في عصره ، في كلماته الآتية في بيان مزايا الشخصية النبوية الكريمة ، قد أشار إليها بإجمالٍ عَصْرِيُّهُ إمام المغرب الإمام ابن حَزْم ، في كتابه ((الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل)) 2 : 88 ـ 91 من طبعة صُبيح بالقاهرة سنة 1384 ، حتى كأنَّ أحدهما قد استَقى من الآخَرِ فِكرَه أو حاوَرَه فيه .
ولكن لا غرابة في تقارُب النَّظر ، وتوافُق الفِكَر بين إمامي المشرق والمغرب ، لأنهما ينطلقان من مَهْيَعٍ واحد ، هو تشخيصُ المزايا التي اتَّصفَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي باديةٌ للمَشْرِقي كما تبدو للمَغْرِبي على سواء ، وقد كانت وفاةُ الماوردي سنة 450 ببغداد ، ووفاةُ ابن حزم سنة 456 في بلدة لَبْلَبة من بلاد الأندلس ، رحمهما الله تعالى .