3 ـ وبَيْنا صبيٌّ يرضع من أمه ، فمرَّ رجلٌ راكبٌ على دابّة فارِهة(1) ، وشارَةٍ حسنة(2) ، فقالت أمُّه : اللهمَّ اجعل ابني مِثلَ هذا، فتَرَك ثَدْيَها وأقبَلَ إليه، فنظر إليه فقال : اللهمَّ لا تَجعلْني مِثلَه ، ثم أقبَلَ على ثَدْيه فجعلَ يرتَضِع ، قال : فكأني أَنظُرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتِضاعَهُ بإصبعه السبّابة في فمه ، فجعل يَمَصُّها .
قال : ومرّوا بجاريةٍ وهم يَضْرِبونَها ، ويقولون : زَنَيتِ سَرَقْتِ ، وهي تقول : حَسْبِيَ اللهُ ونعم الوكيل ، فقالتْ أُمُّه : اللهمَّ لا تَجعَلْ ابني مِثلَ هذه ، فتَرَك الرَّضاعَ ونظَرَ إليها فقال : اللهمَّ اجعلْني مِثلَها .
فهناك تراجَعا الحديث(3) ، فقالت : حَلْقى(4)! مرَّ رجلٌ حسَنُ الهيئةِ فقلتُ : اللهم لا تجعلني مِثلَه ، ومرّوا بهذه الأمةِ
وهم يضرِبونَها ويقولون : زَنَيتِ سَرَقْتِ ، فقلتُ : اللهم لا تجعل ابني مثلها ، فقلتَ : اللهم اجعلني مثلها؟
قال : إنَّ ذاك الرجل كان جبّاراً! فقلتْ : اللهم لا تجعلني مثله ، وإنَّ هذه يقولون لها : زنيتِ ولم تزْنِ ، وسرقتِ ولم تسرِق ، فقلت : اللهم اجعلني مثلها))(5) .
وفي هذا القَصَصِ الحقِّ ، والخيرِ اليقينِ من التوجيه ، ترغيباً وترهيباً ، وتنفيراً وتحذيراً ، ما هو غَنِيٌّ عن الشرح والبيان .
34 ـ تمهيده صلى الله عليه وسلم التمهيدَ اللطيف
(1) ـ أي نشيطة قوية .
(2) ـ أي هيئةٍ حسنة وملبَسٍ حسن ، يُتعجَّبُ منه ويُشارُ إليه لحُسنه وجماله .
(3) ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 16 :107 ((قوله (تراجعا الحديث) ، أي أقبلَتْ الأم على الرضيع تحدثه ، وكانت أولاً لا تراه أهلاً للكلام ، فلما تكرَّر منه الكلام ، علمَتْ أنه أهل ، فسألتْه وراجَعْته)) .
(4) ـ أي عجباً لكَ؟!
(5) ـ أي سالماً من المعاصي كما هي سالمة منها ، وليس المراد : اجعلني مِثلَها في النسبة إلى باطلٍ أكونُ منه بريئاً .