تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل هذا الأثر يكشف سبب إنكار أولئك المرجئة للنفاق، فهذا المرجئ يقول: إنما هو الكفر والإيمان، ومقصوده: أن الإيمان شيء واحد إذا ثبت بعضه ثبت جميعه، وإذا زال بعضه زال جميعه، فلا يجتمع ـ عندهم ـ في العبد إيمان وكفر أو نفاق أصغر، ولذا: احتج عليه أيوب بالآية الكريمة ((وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ)).

فهذا صنف جمعوا بين إيمان ومعاصٍ، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فأمْرهم إلى الله (تعالى)، فليسوا من أهل الإيمان المطلق التام، كما أنهم ليسوا كفاراً مطلقاً.

وقد غلط المرجئة في ذلك، فليس الإيمان شيئاً أو شعبة واحدة، بل إن الإيمان شعب متعددة ـ كما في حديث شعب الإيمان ـ وكذلك الكفر والنفاق شعب متعددة.

ويدل على ذلك: ما رواه أبو هريرة مرفوعاً: ((ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، فقال رجل: يا رسول الله، ذهبت اثنتان وبقيت واحدة؟ قال: فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي منهن شيء)) (1).

قال الذهبي: (وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص .. ) (2) وقال شيخ الإسلام: (وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة .. ) (3).

وأمر آخر، وهو: أن مقالة الكرامية، وهم من طوائف المرجئة، بأن الإيمان: قول باللسان، قد تكون سبباً في إنكارهم النفاق ونفيه، فالمنافق - عندهم – مؤمن بالنسبة إلى أحكام الدنيا، مع أن الله (تعالى) قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله (سبحانه): ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)) [البقرة: 8].

كما أن غلاة المرجئة - الجهمية ومن تبعهم - ينكرون الأعمال القلبية، فيخرجونها عن مسمى الإيمان، فالإيمان ـ عندهم ـ معرفة أو تصديق بلا عمل قلبي.

وهذا لا يعدّ إيماناً صحيحاً ولا مقبولاً، فالتصديق بلا نية أو عمل قلبي نفاق (4)، فجعلوا الإيمان مجرد ومن ثم سينكرون النفاق، والله أعلم.

أما عن الموقف والواجب تجاه المنافقين، فيتمثل في جملة أمور، منها:

1 - النهي عن موالاتهم والركون إليهم، كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) [آل عمران: 118، 119].

2 - زجرهم ووعظهم: لقوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) [النساء: 63].

(4) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 7/ 171.

الفسق والنفاق · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفسق والنفاقص ١٨