وقال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((ليس منا من لطم الخدود وليس منا من لم يوقر كبيرنا" وما أشبه هذا الحديث؟ فأطرق الزهري ساعة ثم رفع رأسه فقال: من الله -عز وجل- العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم)). (1)
ولما ذكر ابن المبارك حديث ((لا يزني الزاني وهو مؤمن .. ))، فقال فيه قائل: ما هذا؟ على معنى الإنكار. فغضب ابن مبارك وقال: يمنعنا هؤلاء الأنان (كثير الكلام والشكوى) أن نحدث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كلما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا، ونلزم الجهل أنفسنا. (2)
وكان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد بحديث أبي هريرة: ((احتج آدم وموسى)) فقال أحد الحاضرين: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب هارون، وقال: يحدثك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتعارض بكيف؟! فما زال يقول حتى سكت عنه.
يقول شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني -رحمه الله- معلقاً على هذه القصة: هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد - رحمه الله - مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بـ ((كيف)) على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-. (3)
(1) السنة للخلال 3/ 579
(2) تعظيم قدر الصلاة 1/ 504،505
(3) عقيدة السلف ص 117