أَنَّهُ بَعْدَ الْخَاصِّ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ , وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ , فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعَامَّ بَعْدَ الْخَاصِّ , إذْ قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ : ﴿ لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ﴾ بَعْدَ إذْنِهِ لِلرِّجَالِ فِي الزِّيَارَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ , وَذَكَرَ هَذَا بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ , وَلَعْنَ الزَّائِرَاتِ جَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِالنِّسَاءِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ وَالسُّرُجِ بَاقٍ مُحْكَمٌ , كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ , فَكَذَلِكَ الْآخَرُ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها , فَأَحْمَدُ احْتَجَّ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ , لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى ذَلِكَ , وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ تُنَاقِضُ ذَلِكَ , وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ . وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ . فَإِنَّ الْمُحْتَجَّ عَلَيْهَا احْتَجَّ بِالنَّهْيِ الْعَامِّ , فَدَفَعَتْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ . وَهُوَ كَمَا قَالَتْ رضي الله عنها , وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْمُحْتَجُّ النَّهْيَ الْمُخْتَصَّ بِالنِّسَاءِ الَّذِي فِيهِ لَعْنُهُنَّ عَلَى الزِّيَارَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهَا : " قَدْ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا " فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا أَمْرًا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ , وَالِاسْتِحْبَابُ إنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً , وَلَكِنْ عَائِشَةُ بَيَّنَتْ أَنَّ أَمْرَهُ الثَّانِيَ نَسَخَ نَهْيَهُ الْأَوَّلَ , فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ وَهُوَ النِّسَاءُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ . وَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَقِدُ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ لَكَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الرِّجَالُ , وَلَمْ تَقُلْ لِأَخِيهَا : لَمَا زُرْتُكَ . الْجَوَابُ الثَّالِثُ : جَوَابُ مَنْ يَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ , وَالشَّافِعِيِّ , وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا : حَدِيثُ اللَّعْنِ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ , وَحَدِيثُ الْإِذْنِ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ . وَبَقِيَ أَصْلُ الْكَرَاهَةِ , يُؤَيِّدُ هَذَا ﴿ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ : نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ , وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ﴾ . وَالزِّيَارَةُ مِنْ جِنْسِ الِاتِّبَاعِ فَيَكُونُ كِلَاهُمَا مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ . الْجَوَابُ الرَّابِعُ : جَوَابُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ : كَإِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ , فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : اللَّعْنُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الزَّوَّارَاتِ , وَهُنَّ الْمُكْثِرَاتُ لِلزِّيَارَةِ , فَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي الدَّهْرِ لَا تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ , وَلَا تَكُنْ الْمَرْأَةُ زَائِرَةً , وَيَقُولُونَ : عَائِشَةُ زَارَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً , وَلَمْ تَكُنْ زَوَّارَةً . وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ : فَيَقُولُونَ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ " الزَّوَّارَاتِ " وَلَفْظُ الزَّوَّارَاتِ قَدْ يَكُونُ لِتَعَدُّدِهِنَّ , كَمَا يُقَالُ : فُتِّحَتْ الْأَبْوَابُ , إذْ لِكُلِّ بَابٍ فَتْحٌ يَخُصُّهُ , وَمِنْهُ قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِكُلِّ بَابٍ فَتْحًا وَاحِدًا . قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا يَحْرُمُ , وَمَا لَا يَحْرُمُ , وَاللَّعْنُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : التَّشْيِيعُ كَذَلِكَ , وَيُحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ فِي التَّشْيِيعِ مِنْ التَّغْلِيظِ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ , فَإِنَّكُنَّ تَفْتِنَّ الْحَيَّ , وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ ﴾ وَقَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ - رضي الله عنها - ﴿ أَمَا إنَّكِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى لَمْ تَدْخُلْ الْجَنَّةَ , حَتَّى يَكُونَ كَذَا وَكَذَا ﴾ وَهَذَانِ يُؤَيِّدُهُمَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ ﴿ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ﴾ . وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا . فَقَدْ يَكُونُ مُرَادُهَا لَمْ يُؤَكِّدْ النَّهْيَ , وَهَذَا لَا يَنْفِي التَّحْرِيمَ , وَقَدْ تَكُونُ هِيَ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَهْيِ تَحْرِيمٍ , وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ لَا فِي ظَنِّ غَيْرِهِ .
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي