شَهِدْتُكَ لَمَا زُرْتُكَ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَارَةَ لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً لِلنِّسَاءِ , كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ , إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتُحِبَّ لَهَا زِيَارَتُهُ , كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَتُهُ , سَوَاءٌ شَهِدَتْهُ أَوْ لَمْ تَشْهَدْهُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَوْكَدُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ , وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ﴾ , وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ صَلَاتِهِنَّ عَلَى الْمَيِّتِ , فَإِنْ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُنَّ اتِّبَاعُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّوَابِ , فَكَيْفَ بِالزِّيَارَةِ ؟ , الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ : غَايَةُ مَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم ﴿ فَزُورُوا الْقُبُورَ ﴾ خِطَابٌ عَامٌّ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ , وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ﴾ . هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ صِيغَةِ التَّذْكِيرِ , فَإِنَّ لَفْظَ : " مَنْ " يَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ , وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ . وَلَفْظُ " مَنْ " أَبْلَغُ صِيَغِ الْعُمُومِ , ثُمَّ قَدْ عُلِمَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَتَنَاوَلْ النِّسَاءَ , لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ , سَوَاءٌ كَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ . فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِي هَذَا الْعُمُومِ , فَكَذَلِكَ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَكِلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ , فَإِنَّ تَشْيِيعَ الْجِنَازَةِ مِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ فَنَهَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ , وَعَنْ الْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ , وَكَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ وَمُوجِبُ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ , وَيُقَامُ عَلَى قُبُورِهِمْ . وَذَلِكَ كَمَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : هُوَ الْقِيَامُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ , وَهُوَ مَقْصُودُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُؤْمِنِينَ , فَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ , مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ , فَلَأَنْ لَا يَدْخُلْنَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ الَّتِي غَايَتُهَا دُونَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ النِّسَاءُ أَنْ يُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ بِلَا اتِّبَاعٍ , كَمَا يُصَلِّينَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتِ , فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ لَهُ , وَالِاسْتِغْفَارِ فِي الْبَيْتِ . وَإِذَا قِيلَ مَفْسَدَةُ الِاتِّبَاعِ لِلْجَنَائِزِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الزِّيَارَةِ ; لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ حَدِيثَةٌ , وَفِي ذَلِكَ أَذًى لِلْمَيِّتِ , وَفِتْنَةٌ لِلْحَيِّ بِأَصْوَاتِهِنَّ , وَصُوَرِهِنَّ . قِيلَ : وَمُطْلَقُ الِاتِّبَاعِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الزِّيَارَةِ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ ; وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالِاتِّبَاعِ الْحَمْلُ وَالدَّفْنُ , وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الزِّيَارَةِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ - وَذَلِكَ الْفَرْضُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا نِسَاءُ لَكَانَ حَمْلُهُ وَدَفْنُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ , وَفِي تَغْسِيلِهِنَّ لِلرِّجَالِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ . وَكَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ غُسْلُ الْمَيِّتِ هَلْ يُيَمَّمُ ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ , وَهُوَ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - فَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ مَنْهِيَّاتٌ عَمَّا جِنْسُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ , وَمَصْلَحَتُهُ أَعْظَمُ إذَا قَامَ بِهِ الرِّجَالُ , فَمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى أَحَدٍ أَوْلَى . وَقَوْلُ الْقَائِلِ : مَفْسَدَةُ التَّشْيِيعِ أَعْظَمُ : مَمْنُوعٌ ; بَلْ إذَا رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي الزِّيَارَةِ كَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ تَكْرِيرِ ذَلِكَ , فَتَعْظُمُ فِيهِ الْمَفْسَدَةُ , وَيَتَجَدَّدُ الْجَزَعُ , وَالْأَذَى لِلْمَيِّتِ , فَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ قَصْدِ الرِّجَالِ لَهُنَّ وَالِافْتِتَانِ بِهِنَّ
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي