تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سُئِلَ : عَنْ الْمَشْرُوعِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؟ الْجَوَابُ : أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ : فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ : شَرْعِيَّةٍ , وَبِدْعِيَّةٍ . فَالشَّرْعِيَّةُ : مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ , وَالْمَقْصُودُ بِهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ كَمَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَتِهِ . كَمَا ﴿ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَزُورُ أَهْلَ الْبَقِيعِ , وَيَزُورُ شُهَدَاءَ أُحُدٍ , وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ , وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ , يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ , نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ . اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ , وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ , وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ ﴾ . وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ دُعَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ : كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالسَّلَامِ . كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ﴿ إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا : مِثْلَ مَا يَقُولُ , ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ , فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا , ثُمَّ سَلَوْا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ , وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدُ , فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ﴾ . وَأَمَّا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ : وَهِيَ زِيَارَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ , مِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ النَّصَارَى الَّذِي يَقْصِدُونَ دُعَاءَ الْمَيِّتِ , وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ , وَطَلَبَ الْحَوَائِجِ عِنْدَهُ , فَيُصَلُّونَ عِنْدَ قَبْرِهِ , وَيَدْعُونَ بِهِ , فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَلَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ , وَأَئِمَّتِهَا , بَلْ قَدْ سَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَابَ الشِّرْكِ . فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : ﴿ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى , اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ , يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا ﴾ . قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ لَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا . وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ : ﴿ إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ , فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ﴾ . فَالزِّيَارَةُ الْأُولَى مِنْ جِنْسِ عِبَادَةِ اللَّهِ , وَالْإِحْسَانِ إلَى خَلْقِ اللَّهِ , وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا . وَالثَّانِي : مِنْ جِنْسِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ , وَالظُّلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ , وَحَقِّ عِبَادِهِ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ . شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ , أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ : ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ } وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ﴿ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ ﴾ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ : هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ . فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ , وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ , وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ - رضي الله عنهم - وَالتَّابِعُونَ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَلَا غَيْرِهِ , بَلْ كَرِهَ الْأَئِمَّةُ وُقُوفَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلدُّعَاءِ . وَقَالُوا هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ , بَلْ

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩