الموضوع (59) الحج بدون الزيارة.&المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر.&مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة.&سئل : لم أتمكن بعد الحج من زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يعتبر حجى ناقصا وهل يعتبر ذلك جفوة للنبى صلى الله عليه وسلم ؟ أجاب : أما الحج فهو صحيح بدون زيارة النبى صلى الله عليه وسلم وزيارته إما زيارة لمسجده ، وإما زيارة لقبره ، وزيارة مسجده سنة ، لأنه من المساجد التى تشد إليها الرحال ، حيث يضاعف الله فيه ثواب الصلاة فيكون بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام كما ثبت الحديث الصحيح الذى رواه مسلم.&وأما زيارة قبره فهى سنة، لأن زيارة القبور بوجه عام مندوبة للعبرة والموعظة ، وزيارة قبره اَكد وأعظم ، فقد وردت فيها أحاديث كثيرة وإن كانت ضعيفة، فكثرتها تعطيها قوة ومن هذه الأحاديث المتصلة بالحج " من حج ولم يزرنى فقد جفانى" جاء فى شرح الزرقانى للمواهب "ج 8 ص 298" أن هذا الحديث ذكره ابن عدى فى " الكامل " وابن حبان فى " الضعفاء " والدارقطنى فى "العلل ، غرائب الرواة " عن مالك وآخرين ، كلهم عن ابن عمر مرفوعا - أى مسندا إلى النبى صلى الله عليه وسلم - ولا يصح إسناده.&ثم قال : وعلى فرض ثبوته فإن عبارة " فقد جفانى" توهم فى ظاهرها وجوب الزيارة ، لأن الجفوة إيذاء وإزالته واجبة ، فتكون الزيارة لإزالة الأذى واجبة ، لكن لم يقل أحد بوجوبها إلا الظاهرية.&فالخلاصة أن الحج بدون زيارة النبى صلى الله عليه وسلم صحيح ، والزيارة سنة ، والحديث ضعيف.&
أقول وبالله التوفيق:
الحديث الشريف لا يدل على المنع من شد الرحل لزيارة القبور وغيرها ، لأننا لو أخذنا بالتعميم ، فمعنى ذلك تحريم شد الرحل في طلب العلم وفي الجهاد وفي البيع والشراء وغير ذلك ، وبما أنه لم يقل أحد بالتعميم ، فمعنى هذا الحيث لا ينبغي شد الرحل في عبادة إلا لهذه المساجد الثلاث لأن غيرها من المساجد يستوي فيه الأجر بعد أو قرب ، إلا ما ورد عن مسجد قباء ، وبالتالي ليس فيه نص على تحريم شد الرحل لزيارة القبور أو غيرها، فتحتاج المسألة لدليل خارجي ، والدليل هو قوله - صلى الله عليه وسلم - زوروا القبور ، ولم يحدد القريب منها أو البعيد، وكذلك فإن الأحاديث التي تحث على زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث (من زار قبري وجبت له شفاعتي ) ليست موضوعة كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهذا من الشطط،، بل فيها الصحيح لغيره والحسن لغيره والضعيف ضعفاً يسيراً مما يجعل العمل بها مستحب ، حسب القواعد والضوابط في قبول الأخبار ، فتكون زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - تدور بين الإباحة والاستحباب، ولكنه قد حصل لغط كثير في هذه المسألة حتى طلاب شيخ الإسلام ابن تيمية قد خالفوه وعادوا لرأي الجمهور ، حيث إنني لم أجد أحداً من أتباع المذاهب الأربعة نص على تحريم شد الرحل لزيارة قبر سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل كلهم نصوا على استحبابها قبل وبعد ابن تيمية رحمه الله ،و كثير مما كتب في هذه المسألة ، لا يستحق أن يقرأ حيث ترى العصبية والغلو والتراشق بالكلام السيئ ، هؤلاء يتهمون ابن تيمية ومن وافقه بأنه لا يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه منع شد الرحل إليها ، وأولئك يتهمون من جوز الزيارة وهم جمهور الأمة بالبدعة والفسوق وغير ذلك من عبارات ينبغي أن يتنزه عنها طالب العلم ، وقد سجن شيخ الإسلام بسبب هذه القضية وأوذي ومات بالسجن ، فما كان ينبغي أن يسجن بتاتاً ، ولكن كان عليهم أن يقولوا له احتفظ برأيك لنفسك وكفى ، حيث إن مصادرة حرية الرأي ليس من الدين في شيء ، بل الإسلام ، قد أصلها وأمر بالحفاظ عليها ، وبما أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد رأى رأياً فلنتركه ورأيه والبقاء للأصلح ، ولكن التعصب يعمي ويصم ، ونحن اليوم بأمس الحاجة للنظر في هذه القضايا دون رأي مسبق ودن هوى أو عصبية لشخص أو قوم ، وكثير من هذه الاختلافات يزول عند التحقيق ،فالأئمة قد اجتهدوا في فهم هذه الشريعة الغراء ، وأبدوا رأيهم في فهم النصوص الشرعية وفي الاستنباط منها ، فلا حرج في الاختلاف مادام دائراً ضمن دائرة الممكن ، ولم يكن مصادماً لنص قطعيٍّ 0غفر الله لشيخ الإسلام ابن تيمية وأعلى مقامه عالياً في الدارين