تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله : ( لاتشد ) على البناء للمفعول بلفط النفي والمراد النهي . قال الطيبي : هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال : لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما أختصت به ( الرحال ) جمع رحل وهو كور البعير كنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر , وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور , ويدل عليه قوله في بعض طرقه : إنما يسافر أخرجه مسلم ( إلا إلى ثلاثة مساجد ) الاستثناء مفرغ , والتقدير : لا تشد الرحال إلى موضع , ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام , لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد قاله الحافظ ( مسجد الحرام ) أي المحرم وهو كقولهم الكتاب بمعنى المكتوب , والمسمجد بالخفض على البدلية ويجوز الرفع على الاستئناف , والمراد جميع الحرم , وقيل يختض بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم ( ومسجدي هذا ) أي مسجد المدينة ( ومسجد الأقصى ) أي بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة , وقد جوز الكوفيون واستشهدوا بقوله تعالى : ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ , والبصريون يأولونه بإضمار المكان , أي الذي بجانب المكان الغربي ومسجد المكان الأقصى , ونحو ذلك , وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة . وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء , ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم , والناس أسس على التقوى , والثالث كان قبلة الأمم السالفة . واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك لها والصلاة فيها , فقال الشيخ أبو محمد الجويني : يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا الحديث , وأشار القاضي حسين إلى أختياره , وبه قال عياض من وطائفة , ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار نضرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له : لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت وأستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة . والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم . وأجابوا عن الحديث بأجوبة . منها : أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز وقع في رواية لأحمد بلفظ : لا ينبغي للمطي أن تعمل , وهو لفظ ظاهر في غير التحريم . ومنها : أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لايجب الوفاء به . ومنها : أن المراد حكم المساجد فقط وأنه لا تشد الرجال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة , وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي , ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي للمصلي أن يشد رجاله إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي . وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف . ومنها : أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال : لا يعتكف في غيرها وهو أخض من الذي قبله كذا في فتح الباري . قلت : في هذه الأجوبة أنظار وخدشات . أما الجواب الأول منها فيه أن قولهم المراد الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد إلخ , خلاف ظاهر الحديث ولا دليل عليه . وأما لفظ " لا ينبغي " في رواية لأحمد فهو خلاف أكثر الروايات , فقد وقع في عامة الروايات لفظ " لا تشد " وهو ظاهر في التحريم , وأما قولهم لفظ " لا ينبغي " ظاهر في غير التحريم فهو ممنوع قال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين : قد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال " لا ينبغي " في المحظور شرعا أو قدرا , وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى ﴿ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾ وقوله ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبعي له ﴾ وقوله : ﴿ تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ وقوله على لسان نبيه , كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغى له وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له " . وقوله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير : " لا ينبغي هذا للمتقين " انتهى . وأما الجواب الثاني ففيه أن قولهم النهي مخصوص بمن نذر على نفسه إلخ , ففيه أنه تخصيص بلا دليل , وكذا في الجواب الرابع تخصيص بلا دليل . وأما الجواب الثالث ففيه أن قولهم المراد حكم المساجد فقط , وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلخ , غير مسلم بل ظاهر الحديث العموم , وأن المراد لا تشد الرحال إلى موضع إلا إلى ثلاثة مساجد , فإن الاسثناء مفرغ والمثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام نعم لو صح رواية احمد بلفط : لا ينبغي للمصلي أن يشد

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ١٢٧