تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هجان عليها حمرة في بياضها

يروق بها العينين والحسن أحمر

وشبهوهن بالنار من أجل ذلك، ولكن هام بعض الشعراء بالجواري السود ودافعوا عن حبهن، فأكثر من ذلك الشريف الرضي، فقال من قصيدة:

أحبك يا لون الشباب فإنني

رأيتكما في العين والقلب توأما

سواد يود البدر لو كان رقعة

بجبهته أو شق في وجهه فما

سكنت سواد القلب إذ كنت مثله

فلم أدر من عز من القلب منكما

وما كان سهم العين لولا سواده

ليبلغ حبات القلوب إذا رمى

إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تلم

جنوني عن الظبي الذي كله لمى

وله قصيدة أخرى في هذا المعنى منها:

لاموا ولو وجدوا وجدي لقد عذروا

وذنب من لام ذنب غير مغتفر

لما تمادوا على عذلي أجبتهمو

بعز معترف لا ذل معتذر

أهوى السواد برأسي ثم أمقته

فكيف يختلف اللونان في نظري؟!

إني علقت سواد اللون بعدكمو

علاقة تشمت الظلماء بالقمر

لو لم يكن فوق لون البيض ما رقمت

صبغ الليالي على الأجياد والعذر

والليل أستر للخالي بلذته

والصبح أفضح للساري على غرر

وللفتى في ضلال الليل معذرة

وما له في الضحى إن ضل من عذر

وكيف يذهب عن قلبي وعن بصري

من كان مثل سواد القلب والبصر

وقبله استوفى هذه المعاني ابن الرومي في قصيدة طويلة منها:

أكسبها الحسن أنها صبغت

صبغة حب القلوب والحدق

يفتر ذاك السواد عن يقق

من ثغرها كالآلئ النسق

كأنها والمزاح يضحكها

ليل تفرى دجاه عن فلق

وقال السلامي:

يا رب غانية بيضاء

53

تصحبني

من العتاب كئوسا ليس تنساغ

أشتاق طرتها أم صدغها ومعي

من كلها طرر سود وأصداغ

وقد قالوا: إن ابن سكرة الشاعر قال في قينة سوداء اسمها «خمرة» عشرة آلاف بيت ... إلخ إلخ.

كما تفننوا في وصف القيان وغنائهن وأكثروا، وزعيمهم في ذلك ابن الرومي، كقصيدته في «وحيد» المغنية:

ظبية تسكن القلوب وترعا

ها وقمرية لها تغريد

حسنها في العيون حسن جديد

فلها في القلوب حب جديد

تتغنى كأنها لا تغني

من سكون الأوصال وهي تجيد

مد في شأو صوتها نفس كا

ف كأنفاس عاشقيها مديد ... إلخ.

ويقول في وصف قينة مغنية وراقصة:

فتاة من الأتراك ترمي بأسهم

يصبن الحشا في السلم لا في المعارك

ظللنا لها نصبا تشك قلوبنا

بذاك الشجا الفتان لا بالنيازك

تطامن عن قد الطوال قوامها

وأربى على قد القصار الحواتك

إذا هي قامت في الشفوف أضاءها

سناها فشفت عن سبيكة سابك

وتبعه الشعراء في هذا العصر الذي نؤرخه، وتفننوا في وصف القينات، فقال ابن زريق الكوفي في قينة تسمى «دبسية» حسنة الغناء قبيحة المنظر:

أبا سعيد أصخ لي

يا سيدي ونديمي

منيت أمس بأمر

من الأمور عظيم

حصلت عند صديق

حر ظريف كريم

أسقى على شدو «دبس

ية» فتنفي همومي

فكنت حين تغني

لدى جنان النعيم

وإن نظرت إليها

ففي العذاب الأليم

وإن شربت بصوت

فالراح بالتسنيم

وإن شربت بلحظ

فالمهل بالزقوم

فكان سمعي بخير

ومقلتي في الجحيم ... إلخ إلخ.

والطامة الكبرى ما غشي المجتمع من حب للغلمان ظهر صداه في الأدب.

لقد كان أبو نواس يغني في هذا الباب وحده أو مع فئة قليلة، فلما جاء هذا العصر كان أكثر الشعراء يطرقون هذا الباب، ويفيضون فيه في تحفظ حينا، وفي استهتار أحيانا، كأبي تمام والبحتري والصنوبري، وكشاجم وأبي الفتح البستي وابن حجاج، وابن سكرة، والقاضي التنوخي، والثعالبي، وأبي فراس، والصابي كلهم له أشعار كثيرة في هذا الباب تفننوا فيها، حتى الوزير المهلبي لم يمنعه منصبه أن يقول في مملوك تركي جميل قاد جيشا لمحاربة بني حمدان:

ظبي يرق الماء في

وجناته ويروق عوده

ويكاد من شبه العذا

رى فيه أن تبدو نهوده

ناطوا بمعقد خصره

سيفا ومنطقة تئوده

جعلوه قائد عسكر

ضاع الرعيل ومن يقوده

وكان هؤلاء الغلمان مملوكين كما تملك الجواري، يقومون بالخدمة في البيوت وفي الأعمال التجارية، وهؤلاء الشعراء يتغزلون فيمن يملكون أو يملكه غيرهم. ومن أشهر قصائد ذلك العصر قصيدة سعيد الخالدي التي يصف فيها غلامه بأنه معشوقه، وخازن داره، ومدبر ماله، وناقد شعره، وطاهيه ونديمه، وغدت القصيدة مضرب المثل في هذا الباب:

ظهر الإسلام · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٥٢