قلنا: إن الغزالي ربما أثر في غير المحيط الإسلامي، فقد ترجمت بعض كتبه إلى اللغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتفع اليهودية بفلسفته، فاستخدموا كتابيه «التهافت، والمقاصد» في ردهم على الفلاسفة.
وقد بحث في كتابه «الإحياء» في العلم، وقواعد العقائد، وأحوال المعيشة، وآداب الاجتماع، ورياضة النفس، وعجائب القلب، وأخيرا بحث في التعليمات الصوفية كالتوبة والصبر والمحبة. وعلى الجملة، فقد قسمه إلى أربعة أرباع: ربع العبادات، وربع في العادات، وربع في المهلكات، وربع في المنجيات.
وكما عقد الغزالي في التصوف الصلة بينه وبين الله، عقد الصلة بينه وبين النبي
صلى الله عليه وسلم ، وذكر ذلك في فصل خاص من فصول المنقذ وقال: «فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به ... وبالجملة، فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم. وكرامات الأولياء هي على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
حين أقبل إلى جبل حراء؛ حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد.» وقد ألف كتابا اسمه «مشكاة الأنوار»، شرح فيه آية
الله نور السماوات والأرض (النور: 35)، وفيه يذكر شيئا عن موجود يسميه «المطاع»، يعتبره خليفة الله، والمعبر الأعلى للعالم، ويقول: إن نسبته إلى الوجود الحق - أي الله - كنسبة الشمس إلى النور المحض، أو نسبة الجمر إلى جوهر النار الصرف.
قال الأستاذ نيكولسن: «ولا شك أنه يريد بالمطاع الأمر الإلهي الوارد ذكره في القرآن، أعني الأمر الإلهي الذي به تنفذ الإرادة الإلهية في العالم، ويتلقى عنه الأنبياء وحيهم، وبعبارة أخرى: فالمطاع هو الموجود الذي عن أمره تتحرك الأفلاك، وقد قيل: إن المطاع هذا المراد به القطب رأس الصوفية، ولكن هذا بعيد؛ لأن الغزالي لا يقول بنظرية القطبية الصحيحة، أما أنا فأميل إلى القول بأن المطاع يمثل الصورة المثالية التي يسمونها الحقيقة المحمدية، أو الروح المحمدي، أو الإنسان السماوي الذي خلقه الله على صورته، ويعتبرونه قوة كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه.»
2
وهذه النظرية - أي نظرية المطاع، أو الروح المحمدية - هي التي شرحها فيما بعد شرحا وافيا عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني في كتابه «الإنسان الكامل»، وسنتكلم عنه في القسم الثاني.
وعلى الجملة، فيظهر لي أن الإسلام في العصور المتأخرة عن الغزالي كان متأثرا بتعاليم الغزالي وكتبه.
| هوامش
الفصل الثامن
| القطب
ولا بد أن نذكر أن من أهم تعاليم الصوفية التي كان لها أثر في تاريخ المسلمين القول بالقطب، وهم يقولون: «إن القطب هو أكمل إنسان ممكن في مقام الفردية، أو هو الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان، عليه تدور أحوال الخلق، وهو يسري في الكون، وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، ويفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل: فهو من الكائنات بمثابة المهيمن عليها، المكلف بحفظها ورعايتها، وأنه ليظل كذلك طول حياته حتى يقبضه الله فيخلفه واحد من الأولياء الثلاثة الذين دونه في المرتبة، وهم الأوتاد الذين كانوا من قبل أبدالا، ويبلغ عددهم الأربعين، ويسمى القطب غوثا باعتبار التجاء الملهوف إليه. وقد يطلق القطب على قطب الأقطاب، وهو سابق في وجوده على وجود هؤلاء الأقطاب، وعلى وجود كل ما في عالم الغيب والشهادة، وهو بهذا المعنى لم يتلق القطبية عن قطب آخر سبقه من قبل، فصار قطبا بعد أن كان وتدا، ولكنه واحد منذ القدم لم يتقدم عليه قطب آخر، ولم يلحقه قطب آخر بهذا المعنى الذي لا يدل إلا على حقيقة واحدة هي الحقيقة المحمدية.»
1
هذه هي حركة التصوف مجملة إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وسنتحدث عن الصوفية في القرون التي أتت بعد في القسم الثاني من هذا الكتاب.