تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخلاصة أن الحالة العلمية في أواخر القرن الثالث وفي القرن الرابع، كانت أنضج منها في العصر الذي قبله: أخذ علماء هذا العصر ما نقله المترجمون قبلهم فشرحوه وهضموه، وأخذوا النظريات المبعثرة فرتبوها؛ وورثوا ثروة من قبلهم في كل فرع من فروع العلم فاستغلوها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء لله . (1-2) الترف والبؤس

واللهو والجد حيثما نظرنا إلى كل قطر من أقطار العالم الإسلامي في ذلك العصر رأينا الثروة غير موزعة توزيعا عادلا ولا متقاربا، ورأينا الحدود بين الطبقات واضحة كل الوضوح، فجنة ونار، ونعيم مفرط، وبؤس مفرط، وإمعان في الترف يقابله فقدان القوت.

وهذا الترف والنعيم حظ عدد قليل، هم الخلفاء والأمراء ومن يلوذ بهم من الأدباء والعلماء، وبعض التجار، ثم البؤس والشقاء والفقر لأكثر الناس. وحتى غنى الأغنياء في كثير من الأحيان ليس محصنا بالأمان، فهو عرضة لغضب الأقران أو غضب ذي السلطان الأعلى، فيصادرون في أموالهم، ويصبح حالهم أشد بؤسا من فقير نشأ في الفقر، وقد مرت بنا أمثلة من هذا القبيل.

والآن نصور بعض صور توضح الحالين.

فقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كل السعة، مترفة كل الترف؛ فابن المعتز يصف في ديوانه أبنية للخليفة المعتضد اسمها الثريا فيقول:

حللت «الثريا» خير دار ومنزل

فلا زال معمورا وبورك من قصر

فليس له فيما بنى الناس مشبه

ولا ما بناه الجن في سالف الدهر •••

جنان وأشجار تلاقت غصونها

فأورقن بالأثمار والورق الخضر

ترى الطير في أغصانهن هواتفا

تنقل من وكر لهن إلى وكر •••

وبنيان قصر قد علت شرفاته

كصف نساء قد تربعن في الأزر

وأنهار ماء كالسلاسل فجرت

لترضع أولاد الرياحين والزهر

وميدان وحش تركض الخيل وسطه

فيؤخذ منها ما يشاء على قدر

عطايا إله منعم كان عالما

بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر

واشتهر من الأبنية كذلك قصر «التاج» ابتدأ في بنائه المعتضد أيضا، ثم عدل عنه وبنى «الثريا»، فلما تولى ابنه المكتفي أتم بناء «التاج»، واستعمل في بنائه الآجر من قصر كسرى الذي بقي منه إلى الآن إيوانه. وكانت وجهة التاج مبنية على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين، وكانت غاية في السعة والضخامة.

وكلا البناءين - التاج والثريا - كانا في الجانب الشرقي من بغداد.

5

وقبل ذلك عظم البناء في سامرا، وبنى المتوكل فيها الأبنية الضخمة، حتى ليذكر ياقوت ثبتا ببيان ما بناه ونفقاته فيقول:

ولم يبن أحد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم؛ والجعفري عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف درهم، والشيدان عشرة آلاف ألف درهم، والبرج عشرة آلاف ألف درهم، والصبح خمسة آلاف ألف درهم، والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر بستان الإيتاخية عشرة آلاف ألف درهم.

إلى آخر ما ذكر، إلى أن قال: فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف درهم. وقد قال علي بن الجهم في وصف الجعفري أحد قصور المتوكل:

وما زلت أسمع أن الملو

ك تبني على قدر أقدارها

وأعلم أن عقول الرجا

ل تقضى عليها بآثارها

فلما رأينا بناء الإمام

رأينا الخلافة في دارها

بدائع لم ترها فارس

ولا الروم في طول أعمارها

وللروم ما شيد الأولون

وللفرس آثار أحرارها

وكنا نحس لها نخوة

فطامنت نخوة جبارها

وأنشأت تحتج للمسلمين

على ملحديها وكفارها

صحون تسافر فيها العيون

إذا ما تجلت لأبصارها

وقبة ملك كأن النجوم

تضيء إليها بأسرارها

نظمن الفسافس نظم الحلي

لعون النساء وأبكارها

لو ان سليمان أدت له

شياطينه بعض أخبارها

لأيقن أن بني هاشم

تقدمها فصل أخطارها

وللبحتري قصائد في وصف بركتها ومحاسنها.

وبلغت سامرا في الحضارة شأوا بعيدا حتى أفسدها وخربها الخلاف والعصبية بين أمراء الأتراك، وتحول عنها الخلفاء إلى بغداد، وكان أول من فعل ذلك المعتضد بالله، فقد حول العمران إلى بغداد وبنى بها الثريا والتاج.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٨