وأخذت الأقطار الإسلامية تستقل عن بغداد شيئا فشيئا، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضا؛ فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها مع بعض علاقة محالفة أحيانا وعداء غالبا، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حينا من الزمن، فاعتراف ظاهري ليس له أثر فعلي! وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم؛ ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين ويستولون على بلادهم شيئا فشيئا، حتى الزنج والحبشة كانوا يغيرون على الدولة الفينة بعد الفينة فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها.
ففي سنة 324ه كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بويه، وأصبهان والري والجيل في يد أبي علي الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الإخشيديين؛ وإفريقية في يد الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، وخوزستان بيد البريدي، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن له فيها إلا الاسم.
وقد أجاد المسعودي في ملاحظته وجه الشبه بين حالة المملكة الإسلامية بعد هذا الانقسام، ومملكة الإسكندر المقدوني بعد وفاته فقال: «ولم نعرض لوصف أخلاق المتقي والمستكفي والمطيع ومذاهبهم؛ إذ كانوا كالمولى عليهم، لا أمر ينفذ لهم، أما ما نأى عنهم من البلدان فتغلب على أكثرها المتغلبون، واستظهروا بكثرة الرجال والأموال، واقتصروا على مكاتبتهم بإمرة المؤمنين والدعاء لهم، وأما بالحضرة - بغداد - فتفرد بالأمور غيرهم فصاروا مقهورين خائفين، قد قنعوا باسم الخلافة ورضوا بالسلامة. وما أشبه أمور الناس في الوقت إلا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الملك الإسكندر بن فيلبس دارا ملك بابل إلى ظهور أردشير بن بابك، كل قد غلب على صقعه يحامي عنه، ويطلب الازدياد إليه مع قلة العمارة وانقطاع السبل، وخراب كثير من البلاد، وذهاب الأطراف، وغلبة الروم وغيرهم من الممالك على كثير من ثغور الإسلام ومدنه.»
1
كان كثير من الدول يعترف بالخلافة وسلطتها الدينية، فهي إذا استقلت سياسيا ومدنيا رأت مما يزيدها سلطة وقوة اعترافها بالخليفة واعتراف الخليفة بها، كما فعل عضد الدولة بن بويه مثلا لما فتح كرمان، فقد استرضى الخليفة فأنفذ إليه الخليفة عهده وخلعه من الطوق والسوارين.
2
ومع مضي الزمن وضعف الخلافة قطعوا هذه الصلة أيضا وتلقبوا بإمرة المؤمنين أو بالخلفاء. وأول من فعل ذلك الفاطميون، فبعد أن فتحوا القيروان سنة 297ه تلقبوا بالخلافة، وشجعهم على ذلك أنهم شيعيون يقولون باغتصاب الأمويين والعباسيين حقهم في الخلافة، فلما تملكوا حققوا نظريتهم في أحقيتهم؛ فتسموا بالخلفاء، فلما رأى الأندلسيون ذلك قلدوهم مع أنهم سنيون، فتلقب عبد الرحمن الناصر أمير الأندلس بأمير المؤمنين نحو سنة 350، وكانوا يلقبون من قبل بالأمراء، وببني الخلفاء. قال المقري: «هو أول من تسمى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبد موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة 317ه، فتلقب بألقاب الخلافة.»
3
وهنا يصح لنا أن نتساءل سؤالين: الأول: هل كان انقسام المملكة الإسلامية إلى أقسام على النحو الذي أبنا في مصلحة الأقطار الإسلامية أو في غير مصلحتها؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا؛ لأن الناس اعتادوا أن يقيسوا رقي المملكة الإسلامية بوحدتها وضعفها بانقسامها، وبعبارة أخرى ربطوا رقي المملكة الإسلامية بحال الخليفة؛ فإذا كان الخليفة قويا باسطا سلطانه على الأقطار كلها، فالدولة قوية، وإلا فهي ضعيفة.