113
واتسعت سلطة اليهود والنصارى في أيام الفاطميين بمصر، فمن أشهرهم يعقوب بن كلس. قال ابن عساكر: «إنه كان يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء. ونزل مصر أيام كافور الإخشيدي فرأى منه فطنة وسياسة ومعرفة بأمر الضياع؛ فقال: لو كان مسلما لصلح أن يكون وزيرا! فطمع في الوزارة فأسلم ... ثم هرب إلى المغرب واتصل بيهود كانوا مع المعز وخرج معه إلى مصر.» «وولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز وعظمت منزلته عنده، وأقبلت عليه الدنيا، وانثال الناس عليه ولازموا بابه؛ ومهد قواعد الدولة وساس أمرها أحسن سياسة، ولم يبق لأحد معه كلام.»
114
وكان ابن كلس يأخذ من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبز من كل صنف بخمسمائة دينار.
115
وأكثر الشعراء مدائحه، قال ابن خلكان: ولقد نظرت في ديوان أبي الرقعمق الشاعر فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، وفيه يقول من قصيدة:
كل يوم له على نوب الده
ر وكر الخطوب بالبذل غاره
ذو يد شأنها الفرار من البخ
ل وفي حومة الندى كراره
فاستجره فليس يأمن إلا
من تفيا ظلاله واستجاره
وإذا ما رأيته مطرقا يع
مل فيما يريده أفكاره
لم يدع بالذكاء والذهن شيئا
في ضمير الغيوب إلا أثاره
لا ولا موضعا من الأرض إلا
كان بالرأي مدركا أقطاره
زاده الله بسطة وكفاه
خوفه من زمانه وحذاره «وفي أيام العزيز نزار كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس وزير العزيز وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد لله بن الحسين القيرواني:
قل لأبي نصر صاحب القصر
والمتأتي: لنقض ذا الأمر
انقض عرا الملك للوزير تفز
منه بحسن الثناء والذكر
وأعط وامنع ولا تخف أحدا
فصاحب القصر ليس في القصر
وليس يدري ماذا يراد به
وهو إذا ما درى فما يدري
ثم قال أيضا وعرض بالفضل القائد:
تنصر فالتنصر دين حق
عليه زماننا هذا يدل
وقل بثلاثة عزوا وجلوا
وعطل ما سواهم فهو عطل
فيعقوب الوزير أب وهذا ال
عزيز ابن وروح القدس فضل»
116
وقد ولى العزيز نزار أيضا عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشا، فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في صورة عملوها من قراطيس، فيها: «بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي، وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما قرأ ما فيها ورأى الصورة من قراطيس علم ما أريد بذلك فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثماثة ألف دينار، ومن اليهود شيئا كثيرا».
117
ولكن الحاكم بأمر الله اضطهد النصارى واليهود في بعض نزواته، فأمرهم بشد الزنار ولبس الغيار، «وألبس اليهود العمائم السود، وأمر ألا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلاما مسلما، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حماما، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق في ولايته ديرا ولا كينسة إلا هدمها»،
118 «وأمر النصارى بأن تعلق في أعناقهم الصلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعا وزنته خمسة أرطال بالمصري؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي الخشب في زنة الصلبان»،
119 «ومنع النصارى من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب، والسيور السود بغير حلية، وأن يشدوا الزنانير، ولا يستخدموا مسلما، ولا يشتروا عبدا ولا أمة، وتتبعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدة».
120
ومع هذا فكان الكتاب والأطباء في قصره من النصارى.
وتولى الوزارة سنة 436ه للمستنصر بمصر «صدقة بن يوسف»، وكان يهوديا فأسلم، وكان معه أبو سعد التستري اليهودي يدبر الدولة، فقال بعض الشعراء: