تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأى التبريزي أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاسترسل الأمراء في أهوائهم وشهواتهم، وعدمت المراقبة عليهم.

وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، حتى لم يبقى له أثر إلا على أطراف الألسن، وأمراؤهم مثلهم لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطانهم على البسطاء من الأمة، هذا إلى ظلمهم وجورهم. وقد كان المسلمون أعزاء يوم توثقت بينهم الرابطة الدينية، فلما انحلت ضاعت الأخلاق ففتروا وخمدوا.

وأجاب المدني بأن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفي سببا لهذا الفتور العام. وعنده أن السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين الذين لونوا الدين بلون سيئ فأضاعوه وأضاعوا أهله، وذلك أن العلماء العاملين أهل لكل تجلة واحترام، فلما حسدهم من لا يستحق هذه المنزلة سلكوا مسلك الزاهدين. ومن العادة أن يلجأ ضعيف المقدرة إلى التصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى الكبر وقليل المال إلى التظاهر بزينة اللباس والأثاث، فأفسد هؤلاء الدين بما أدخلوا فيه ما ليس منه، كالعلم اللدني،

10

وترتيب المقامات، ووراثة السر، والرهبنة، والتظاهر بالعفة، والتبرك بالآثار، والكرامة على الله، والتصرف في القدر. فسحروا عقول الجهلاء، واختلبوا قلوب الضعفاء كالنساء، والنساء بذرن هذه البذور الضارة في أبنائهن وبناتهن، فماتت النفوس وخرفت العقول. وهؤلاء المدلسون وجدوا في بغداد ومصر والشام وغمرو السوق في الآستانة، وسرى التدليس من هذه العواصم إلى جميع الآفاق فأصبح المرض عاما.

وانضم الرومي إلى هذا الرأي وزاده إيضاحا، فقال: إن داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين والجهال المتعممين، وبلغ أمرهم في البلاد العثمانية أن صارت الألقاب العلمية منحة رسمية تعطى للجهال، حتى للأميين والأطفال (كمشيخة الطرق عندنا). فقد يكون طفلا ويمنح بالوراثة لقب «أعلم العلماء المحققين»، ثم «أفضل الفضلاء المدققين»، ثم، وثم ... حتى يوصف بأنه «أعلم العلماء المتبحرين، وأفضل الفضلاء المتورعين، وينبوع الفضل واليقين»، وأكثرهم لا يحسنون حتى قراءة ألقابهم. وطبيعي أن هؤلاء يقابلون السلطان بالمثل، فهو صاحب العظمة والإجلال، المنزه عن النظير والمثال ، مهبط الإلهامات، مصدر الكرامات، سلطان السلاطين، مالك رقاب العالمين.

وأصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعا تباع وتشترى، وتوهب وتورث. وتسلط هؤلاء المتعممون على المجالس والإرادات، واتخذ الأمراء من ذلك وسيلة يتعذرون بها عند الدولة الأجنبية بأن الرأي العام - وعلى رأسه المعممون لا يقبلون الإصلاح المدني.

أجاب الكردي بأن هذا الداء خاص ببعض الولايات: ولكن عرض الفتور عام في الولايات الإسلامية التي فيها هذا الشأن وغيره، فلا بد أن يكون السبب شيئا أعم من ذلك. وعندي أن السبب هو أن المسلمين أصيبوا باقتصارهم على العلوم الدينية وإهمالهم العلوم الدنيوية، كالرياضة والطبيعة والكيمياء، على حين أن هذه العلوم نمت في الغرب وترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في جميع الشئون المادية والأدبية، حتى صارت عندهم كالشمس، لا حياة لهم إلا بنورها، وأصبح المسلمون في أشد الحاجة إليها في جميع أمورهم: من تربية الطفل إلى سياسة الدولة. ومن عمل الإبرة إلى عمل المدافع والبوارج. ومن استخدام اليد إلى استخدام الأسلاك والبخار - فابتعاد المسلمين إلى الآن عن هذه العلوم النافعة الحيوية. جعلهم أحط من غيرهم من الأمم. وكلما تمادت الأيام بعدت النسبة بينهم وبين جيرانهم.

أجاب الإسكندري: إن هذا يصلح سببا، ولكن ليس كل السبب، لأن فقد العلوم لا يصلح سببا لفقد الإحساس الشريف والأخلاق العالية، وإنما السبب نومنا ويأسنا.

زعماء الإصلاح في العصر الحديث · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

زعماء الإصلاح في العصر الحديثص ٤٢