وعلى الجملة فالتربية الصحيحة لا تمكن من ظل الاستبداد!
ثم الاستبداد - على الإجمال - يمنع الترقي؛ والترقي الحيوي الذي يسعى إليه الإنسان هو - أولا - الترقي في الجسم صحة وتلذذا، ثم الترقي في الاجتماع بالعائلة والعشيرة، ثم الترقي في القوة بالعلم والمال، ثم الترقي في الملكات بالخصال والمفاخر. وهناك نوع آخر من الترقي الروحي، وهو الاعتقاد بأن وراء هذه الحياة حياة أخرى يترقى إليها سلم الرحمة والإحسان - والاستبداد بالأمة عدو ذلك كله، بل هو تحول الميل الطبيعي فيها إلى طلب التعقل، حتى لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور! وعندئذ يكون الاستبداد كالعلق يمتص دم الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها، والاستبداد يجعل الأمة منحطة في الإحساس، منحطة في الإدراك، منحطة في الأخلاق، وهو يضغط عليها فتكون كدود تحت صخرة، والمشفقون عليها يجب أن يسعوا في رفع الصخرة ولو حتى بالأظافر ذرة بعد ذرة!!
وهنا ضرب مثلا يصح أن يخطب به الخطباء في الناس ليستيقظوا، فوضع خطبة نموذجية لتنبيه المشاعر. ثم قال: إن الرقي الذي ينشده في ظل العدل هو أن يكون الشخص أمينا على جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن المحافظة عليه، أمينا على ملذاته الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة بإيجاد أسبابها، أمينا على حريته فلا يعتدي عليها، أمينا على نفوذه كأنه سلطان عزيز لا يمانع في تنفيذ مقاصده النافعة، أمينا على ماله وشرفه؛ وما منحته الطبيعة من مزايا، فما لم تتحقق هذه فالحكومة مستبدة ليست بيئة لترقي شعبها.
وأخيرا ما وسائل التخلص من الاستبداد؟ يرى هو أن الاستبداد لا يقاوم بالقوة، إنما يقاوم باللين وبالتدريج، ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحميس، ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس، وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد مع اعتماده على هذه القوات كلها يضعف أمام الوسائل المحكمة في قلبه، كما قيل: كم من جبار عنيد جدله
9
ملوم صغير!!
ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يحل محله؛ ومعرفة الغاية معرفة دقيقة واضحة؛ ومتى وضحت الغاية المرسومة يجب السعي في إقناع الناس بها واستجلاب رضاهم عنها وحملهم على النداء بها، ويجب أن ينشر ذلك في كل الطبقات حتى يصبح عقيدة، فيتلهفوا جميعا على نيل الحرية وتحقيق المثل الذي ينشدونه: عندئذ لا يسع المستبد إلا الإجابة طوعا أو كرها.
وقد حدد في ثنايا كتابه، ماذا يقصد بالحكومة المستبدة، فقال: إنها تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، كما تشمل حكومة الجميع لو منتخبا إذا استبد، بل قد يكون هذا الحكم أضر من استبداد الفرد. ويدخل في أنواع الاستبداد أنواع الاستعمار، فالمستعمر تاجر لا يرى إلا مصلحته؛ ولا عبرة بأسماء أنواع الحكومات إنما العبرة بحقيقتها، وكل أمة فيها لون من ألوان الاستبداد، ولكنها تختلف فيه كمية وكيفية، فبعضها يمسه الاستبداد مسا خفيفا، وبعضها تغرق فيه من قدمها إلى مفرق رأسها. والغرب سبق إلى تقدير معنى الحرية والعدالة؛ ولكنه لا يأخذ بيد الشرق؛ بل يستغله لمصلحته، وواجب الغرب أن يرعى للشرق سابق فضله، فيأخذ بيده ليخرجه إلى أرض الحياة، ويعامله معاملة الأخ لأخيه، لا السيد لعبده ليتعاونا بعد على السير بالإنسانية.
وبهذا ينتهي الكتاب؛ وهو فيه قوي مخلص مملوء غيرة وأسفا وتلهفا على رفع نير الاستبداد عن الشرق؛ وهو أن استمد الفكرة من العرب؛ فهو يبسطها ويعدلها ويعني بتطبيقها، وقد يؤخذ عليه عصر نفسه في دائرة النظريات. وكان الكتاب يكون أوقع في النفس لو ملأه بالشواهد وما رأى وسمع من أحداث وهو معروف بسعة الاطلاع، فلو قرن النظريات بالشواهد لكان كتابه أكثر فائدة وأعم نفعا، ولكن يظهر أن قد منعه من ذلك أنه أراد أن يستتر فأخفى اسمه ولم يضعه على الكتاب؛ وقال في مقدمة الكتاب: إنه لم يقصد ظالما بعينه ولا حكومة مخصوصة، ولو أتى بالشواهد لدل على الحكومة التي قصدها، ودل بذلك على نفسه، وما كان في ذلك من ضرر، بل كان فيه كل النفع؛ ولكن الأمور تقدر بأوقاتها وظروفها، وهو فيما اكتنفه من ظروف كان في عرضه النظريات فقط شجاعا جريئا.