تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لسنا الآن بصدد الحكم على الثورة العرابية وما نفعت وما أضرت والمسئولين عنها، والمآخذ عليها، وإنما كل ما يعنينا الآن أن نقول: إنه إذا تبخرت أقواله التي دعت إليها فورة الثورة، وتبخرت أنواع تهريجه وتهويشه، بقى لنا جانب كبير من جوانب نفع عبد الله نديم في هذه الحركة، وهو إيقاظ الشعور في الشعب بحقه في الشكوى من الظلم، والمطالبة بالعدل، وإفهامه أن الحاكم يجب أن يكون مسئولا أمامه، وأن هناك نوعا جديدا من الحكم غير الذي ألفه: من رجوع الأمور كلها إلى إرادة الحاكم يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، وهذا النوع الجديد هو حكم البلاد نفسها بنفسها ممثلا في نوابها، وأن مصر للمصريين لا للدولة العليا، ولا لأية دولة أجنبية؛ وهذه معان قد كانت عند خاصة الخاصة، فنشرتها الثورة وعبدالله نديم في العامة.

ولئن أخفقت الثورة فيقظة الرأي العام - إلى حد ما - وشعوره بنفسه، وتنهيه لحالته الاجتماعية والسياسية لم يخلق، ويتجلى ذلك على الأخص إذا قورن بينه وبين حالته من قبل.

4

انتهت الثورة العرابية بالإخفاق والهزيمة المنكرة، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من الهزيمة الحربية، فقد ذل أكثر قواد الحركة، وتنكر لهم أكثر من كان يناصرهم، وبدأت السعايات

14

تدب، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإ يقاع بخصمه، يتهمه بعمل من أعمال الثورة، وامتلأت المجالس المشكلة للنظر في الدعاوى والتهم، وأخذ كثير ممن اشتركوا في الحركة يتبرءون مما قالوا وما فعلوا. وإن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة نفسه، فعبد الله نديم ليس مستطيع شيئا من ذلك، فخطبه لا ينساها أحد، وأقواله مسجلة عليه في جريدة «الطائف»، فلابد إذا حوكم أن يحكم عليه بأشد العقوبات، وكان أغلب الظن أنها الإعدام.

لقد فكر عرابي هو ومن معه أن يطلبوا العفو من الخديوي، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وفد إلى الإسكندرية لتقديمها إليه، ثم بدا لهم أن يغيروا بعض نصوصها، فبعثوا بصيغة أخرى مع عبد الله نديم، فلما وصل إلى كفر الدوار علم أن الخديوي رفض العريضة الأولى وأمر بالقبض على بعض رجالها، فعاد «النديم» إلى القاهرة، وأيقن بالهلاك، فأعد العدة للهرب والاستخفاء، وإذا به «فص ملح وداب»، تجد الحكومة وتضع له الأرصاد

15

وتوجه كل قوة للبحث عنه، ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورا لرجال الإدارة بالجد والنشاط للقبض عليه، وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، والعقوبة القصوى لمن يخفيه فيذهب كل ذلك سدى، مدى نحو عشرة أعوام، وهو في كل أموره يحتال حيلا أين منها حبل أبي زيد السروحي في مقامات الحريري؟ ويمثل روايات أين منها الروايات البوليسية المعروفة؟

لقد أعيت الحكومة أمره، فأصدرت عليه حكما غيابيا بالنفي المؤبد من القطر المصري.

ها هو ذا أول مرة يذهب إلى «بولاق» ويستخفي عند صديق له وفي أياما حتى يخف عنه الطلب، فيخرج وقد لبس «زعبوطا» أحمر، واعتم بعمامة حمراء وربط عينيه بمنديل، وأطال لحيته، وأمسك عكازا طويلا، وتصنع أنه من مشايخ الطرق، ونزل في سفينة مع خادمه إلى بنها، فلم يفطن له أحد.

وجزع خادمه وكان أميا، وأراد أن يرجع إلى أهله، فأيقن «النديم» أنه إذا عاد انكشف أمره، فأخذ يقرأ الجريدة يوما، ثم تصنع إلى الفزع وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فسأله الخادم عما أفزعه، فقال «النديم»: إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد عني ألف جنيه، ولمن يأتيها برأسه خمسة آلاف؛ فخاف الخادم، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من سيده، واستراح من هذا الباب، وظل معه طول مدة الاستخفاء. وقال هو عن نفسه في هذه الفترة: «خرجت من مصر مستخفيا فدرت في البلاد متنكرا، أدخل كل بلد بلباس مخصوص، وأتكلم في كل قرية بلسان يوافق دعواي التي أدعيها، من قولي إني مغربي أو يمني أو فيومي أو شرقاوي أو نجدي، وأصلح لحيتي إصلاحا يوافق الدعوى أيضا، فأطيلها في مكان عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر عند دعوى السياحة - مثلا - وأبيضها في بلد، وأحمرها في قرية، وأسودها في عزبة». فأحيانا كان اسمه الشيخ يوسف المدني، وأحيانا الشيخ محمد الفيومي، وأحيانا سي الحاج علي المغربي، وهكذا، وأحيانا كان يجتمع بمن يعرفهم فيثير عجبهم، لأن المقدرة مقدرة «النديم»، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة ، فيقولون: سبحان الله جل من لا شبيه له.

زعماء الإصلاح في العصر الحديث · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

زعماء الإصلاح في العصر الحديثص ٢٥