تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

كان مرة يجلس في قهوة أيام المولد الأحمدي سنة 1249ه ومعه طائفة من أصحابه، ومنهم علي السيد علي أبو النصر الشاعر، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن، قطع عليهم اثنان من «الأدباتية».

والأدباتية طائفة من الشحاذين يستجدون بأدبهم العامي وطلاقة لسانهم في الشعر، وحضور بديهتهم، عرفوا بالإلحاح في الطلب، فإذا رددتهم أي رد أخذوا كلمتك على البديهة، وصاغوا منها شعرا يدل على استمرارهم في طلبهم، واستغواء ممدوحهم، وقد جمعوا إلى طلاقة لسانهم وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم، فزرج خارج العمامة، وطبلة تحت الإبط، وحركات يدور معها رز العمامة كأنه نحلة، وتحريك لعضلات وجوههم كأنهم قردة، وسموا «أدباتية» جمع «أدباتي» وهي لفظ سخرية لأديب. فمر هذان الرجلان من طائفة «الأدباتية» على الحاضرين حتى وصلا إلى عبد الله نديم، فقال أحدهما:

أنعم بقرشك يا جندي

وإلا اكسبنا أمال يا أفندي

أحسن أنا وحياتك عندي

بقى لي شهرين طوال جوعان

فأجابه عبد الله نديم على البديهة:

أما الفلوس أنا مديشي

وأنت تقول لي ما مشيشي

يطلع علي حشيشي

أقوم أملص لك لودان

فرد «الأدباتي»، ورد عبد الله نديم، وظلا كذلك نحو ساعة، غلب «الأدباتي» فانصرف مهزوما.

ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلى شاهين باشا كنج، فاستظرفها جدا، وخطرت له فكرة طريفة أيضا أن يقيم حفلا عاما، يدعو فيه كبار «الأدباتية» والزجالين ويدخلون في مساجلة مع عبد الله نديم، فيكون منظرا لطيفا، ومحفلا طريفا. ففعل ونصب سرادقا أمام بيته، وأحضر رؤساء هذا الفن، وشرط عليهم أنهم إن غلبوا كافأهم، وإن غلبوا ضربهم، فرضوا، واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات، غلب فيهم النديم، فكانت الحادثة سبب شهرته بين الأدباء والظرفاء.

لقد أخذ بعضهم عليه - فيما بعد - هذا الحادث وعيروه به، وقالوا إنه رضى أن يقف موقفا يساجل فيه المستجدين، وأن يكون «أدباتيا» مثلهم، ينازلهم، ويغالبهم على ملأ

7

من الناس، فمثله مثل المصارعين أمام «الزفة» ولا يرضى لنفسه هذا الموقف إلا وضيع النفس ساقط الهمة.

والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت

8

والتعنت، كالذي تعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويا أو لفظا لغويا، وكمن ينتقد الشيخ الوقور على ما كان منه أيام الصبا، والغني الواسع الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء، فالمسألة لم تعد أن تكون طرفة لطيفة، وفكاهة ظريفة، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه ما لا تبيحه مجالس الجد والوقار.

أخيرا عاد إلى مسقط رأسه بالإسكندرية سنة 1879م في نحو الخامسة والثلاثين، وهو أكثر خبرة بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وأدباء، وفيما رأى وسمع وعمل في القصر العالي أيام كان موظفا في تلغرافه، في التجارة أيام تاجر وأفلس، وبأخلاق الفلاحين أيام كان يعلم أولاد أحد «عمدهم»، ولكنه دخلها كما خرج منها صفر

9 (اليدين).

عاد فرأى في الإسكندرية منظرا جديدا لم يكن أيام كان بها كانت المجالس الأدبية يوم فارقها تتحدث في غزل أبي نواس، ووصف البحتري، وهجاء ابن الرومي، ومديح الشعراء في إسماعيل، وفكاهات الشيخ الليثي، فإذا انتقلوا من ذلك فإلى من عارض شعر هؤلاء من المحدثين، وما أنشأه الناشئون من سمار المجلس في مثل هذه الأغراض، ولما عاد إليها وجد المجالس تتحدث في حالة البلاد ووقوعها في أسر الدين، وفي الدول وتدخلها، ورأى جمعية سرية تسمى «مصر الفتاة» يجتمع أعضاؤها فينتقدون هذا كله في صراحة وحماسة ، والأدب يتحول فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها، وآلامها، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس، وشعر صريع الغوني، والنفوس بفضل تعاليم «جمال الدين الأفغاني»، وصحبة ثائرة تتطلع إلى نوع من الأدب غير الذي كان، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية، فيشتغل في الصحافة من هذا النوع «أديب إسحاق» و«سليم نقاش» في جريدتهما «مصر» و«التجارة»، ويمدهما جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم.

زعماء الإصلاح في العصر الحديث · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

زعماء الإصلاح في العصر الحديثص ١٨