إن المرء ليأخذه العجب وهو يتأمل حكمة الصيام شهراً من كل اثني عشر شهراً، وهو شهر تتدرج أيامه الثلاثون بين الرحمة، والمغفرة، والعتق من النيران، شهر تتصل أيامه بعضها ببعض اتصالاً لا انفصام معه كأنها حبات مضيئة جميلة في عقد لؤلؤي بهي يجذب الأنظار، ويخطف الأبصار، كلما حاول الناظر إليها حار الطرف في إدراك أولها من آخرها، فرجع كالاً وهو حسير. وتجيء أيامه العشر الأواخر عجيبة هي الأخرى في جلالها، وجمالها، وخيرها، وسرعة انقضائها، كأن الأيام العشرين قبلها تمهيد لها وإعداد، فالمسافر حين يسافر يختلف شعوره بين لحظة انطلاقه، وبين اللحظات التي تسبق وصوله إلى مكانه الذي أراده من سفره، لا شك أن اللحظات التي تسبق الوصول يصبح الزمن فيها سريعاً وكأن كل شيء يدور بسرعة، والعشر الأواخر هي تلك اللحظات التي تسبق وصول الصائمين إلى نهاية شهرهم، فكل شيء يتسارع فيها، والمسلم النابه يدرك ذلك جيداً، فلا يتشاغل، أو ينشغل بشيء يحول بينه وبين إدراك الخير فيها، فهو حريص على أخذ نصيبه فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحث الواحد والعشرون: فضل ليلة القدر
ومن أعظم الخير في العشر الأواخر ليلة القدر، ليلة الشرف والرفعة والعطاء والفضل، الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم بنص قوله تعالى: