تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| سلام الترجمان

إن رحلة سلام الترجمان إلى سور الصين الشمالي قد تكون حقيقة تاريخية، وإن كان سببها الذي يذكره الجغرافيون العرب - كالقزويني وياقوت - على لسان الرحالة نفسه، أشبه بأسطورة خيالية. والظاهر أن حديثها كان مشهورا في العصور الوسطى. وقصة هذه الرحلة أن سلاما الترجمان يزعم أن الخليفة العباسي الواثق بالله (227-232ه/842-847م) رأى في المنام أن السد الذي بناه الإسكندر ذو القرنين (والذي يقع بين ديار المسلمين وديار يأجوج ومأجوج) مفتوح؛ فأرعبه هذا المنام، وأمر سلاما بأن يرحل ليتفقد السد. فسار الترجمان من مدينة سر من رأى، ومعه خمسون رجلا ومائتا بغل تحمل الزاد والماء، وكان الخليفة قد أعطاه كتابا إلى حاكم أرمينية ليقضي حوائجهم ويسهل مهمتهم. فعني هذا الحاكم بالرحالة ورجاله، وزودهم بكتاب توصية إلى حاكم إقليم السرير. وكتب لهم هذا الحاكم إلى أمير إقليم اللان. وكتب هذا الأمير إلى فيلانشاه. وكتب لهم فيلانشاه إلى ملك الخزر في إقليم بحر قزوين؛ فوجه معهم خمسة من الأدلاء وسار الجميع ستة وعشرين يوما؛ فوصلوا إلى أرض سوداء كريهة الرائحة وكانوا قد حملوا معهم بإشارة الأدلاء خلا لتخفيف هذه الرائحة. وسار الركب في تلك الأرض عشرة أيام ثم وصلوا إلى إقليم فيه مدن خراب، وساروا فيها سبعة وعشرين يوما. وقال الأدلاء: إن شعب يأجوج ومأجوج هو الذي خرب تلك المدن. وانتهوا إلى جبل فيه السور المنشود. وعلى مقربة منه حصون تسكنها أمة مسلمة تتكلم العربية والفارسية؛ ولكنها لم تسمع بخليفة المسلمين قط. وتقدم الركب إلى جبل لا نبات عليه يقطعه واد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وفي الوادي باب ضخم جدا من الحديد والنحاس، عليه قفل طوله سبعة أذرع وارتفاعه خمسة، وفوق الباب بناء متين يرتفع إلى رأس الجبل. وكان رئيس تلك الحصون الإسلامية يركب في كل جمعة ومعه عشرة فرسان، مع كل منهم مرزبة من حديد، فيجيئون إلى الباب ويضربون القفل ضربات كثيرة؛ ليسمع من يسكنون خلفه، فيعلموا أن للباب حفظة، وليتأكد الرئيس وأعوانه الفرسان من أن أولئك السكان لم يحدثوا في الباب حدثا.

ولما فرغ سلام الترجمان ورفقاؤه من مشاهدة السور رجعوا إلى سر من رأى مارين بخراسان. وكان غيابهم في هذه الرحلة ثمانية عشر شهرا.

وقد ذكر المستشرق الفرنسي كرادي فو

Carra de Vaux

أن من المحتمل أن هذه الرحلة كانت إلى الحصون الواقعة في جبال القوقاز، وعلى مقربة من دربند (أو باب الأبواب)، في إقليم داغستان غربي بحر قزوين. ومهما يكن من الأمر فإننا لا نعرف عنها إلا بعض المقتطفات في كتب التاريخ والجغرافية، ولا سيما «نزهة المشتاق» للإدريسي و«معجم البلدان» لياقوت. •••

ومن غريب ما نقله أبو حامد الأندلسي في كتاب «العجائب» عن سلام الترجمان أنه قال:

وأقمت عند ملك الخزر أياما، ورأيت أنهم اصطادوا سمكة عظيمة جدا وجذبوها الجبال، فانفتح أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة، فأخرجوها إلى البر وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وقد خلق الله تعالى في وسطها غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها كأنه إزار مشدود على وسطها، فأمسكوها حتى ماتت.

وقد تساءل الدكتور حسين فوزي في كتابه «حديث السندباد القديم» (ص135) عن تفسير ما رأى سلام الترجمان عند ملك الخزر، وكتب في ذلك: «أيكون الملك قد عرض على خليفة المسلمين منظرا تمثيليا من نوع «البانتوميم» احتفاء به واحتفالا بقدومه، وفهمه هذا الساذج على أنه حقيقة؟ أو أن ملك الخزر كان ماجنا مهزارا لا يرى عيبا أن يسخر من ضيفه فيدخل عليه منظر الغانية التي تخرج من أذن سمكة عظيمة جدا، فيبتلع (أي: فيصدق) سلام المنظر والغانية والسمكة الكبيرة؟» وعندنا أن من المحتمل أيضا أن يكون سلام الترجمان سمع من بعض العامة في بلاد الخزر حديث تلك السمكة، فعلقت بذهنه ونسبها إلى مشاهداته الخاصة.

الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطى · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطىص ٤