تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسافر ابن بطوطة إلى عدن وأشار في وصفها إلى ثروة التجار فيها، ثم عبر البحر إلى زيلغ بالصومال الإنجليزي الحالي، ووصفها بأنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا «حتى إنه اختار المبيت بالبحر على شدة هوله ولم يبت بها لقذرها»، وسافر بعدها إلى مقدشو عاصمة تلك البلاد (وهي تقع على ساحل المحيط الهندي). ونزل بأمر السلطان في دار الطلبة، وهي معدة لضيافة أهل العلم. وغادرها إلى جزيرة منبسي ثم إلى كلوا على ساحل أفريقية الشرقي جنوبي خط الاستواء، وأهلها من الزنوج. وقال الرحالة عن المسلمين منهم: إنهم «أهل جهاد؛ لأنهم في بر واحد متصل مع كفار الزنوج».

وعاد ابن بطوطة إلى بلاد العرب طائفا حول سواحلها الجنوبية والشرقية ومارا بمدينة ظفار، وعجب لأنه رأى الدواب والغنم فيها بسمك السردين، وتحدث عن تجارها مع الهند وعن سلطانها. ثم مر بهرمز وسيراف والبحرين، ووصف الغواصين على الجوهر، وعبر الخليج الفارسي إلى القطيف في إقليم اليمامة، وانحدر منها إلى مكة فأدى الفريضة مرة أخرى وشاهد السلطان الناصر محمد يحج ومعه طائفة من الأمراء والمماليك.

وأراد ابن بطوطة أن يبحر إلى اليمن والهند ولكنه لم يجد في ثغر جدة مركبا أو رفيقا إلى الجنوب فرجع إلى مصر. وسافر منها إلى الشام على طريق بلبيس. ووصل إلى اللاذقية. وركب منها البحر إلى العلايا في الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، وكانت حينئذ مشتى الروم السلاجقة.

وطاف الرحالة في كثير من بلاد الأناضول، فوصف أحوالها السياسية قبل أن تصبح دولة واحدة على يد العثمانيين. كما تحدث عن آثارها وصناعاتها وعادات أهلها، ولا سيما نظام جماعات الإخوان أو الفتيان. وهي جماعات تضم الشبان العزباء أبناء الطائفة الواحدة أو القرية الواحدة، فيقدمون عليهم رئيسا لهم ويتخذون مقرا لجمعيتهم ويتعاونون على البر وإكرام الضيف الغريب ويشتركون في الطعام وفي الغناء وفي الرقص وما إلى ذلك من اللهو البريء. ونظامهم يتصل بنظام فتوة الإسلام. وقد ذكر ابن بطوطة أن فتيان مدينة قونية «لهم في الفتوة سند يتصل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ولباسها عندهم السراويل كما تلبس الصوفية الخرقة».

وأبحر الرحالة إلى شبه جزيرة القرم من ثغر صنوب شمالي آسيا الصغرى، ونزل بمرسى «الكرش». ثم انتقل إلى تغر كافا، وأكثر سكانه من أهل جنوة، جعلوه من أهم مراكز التجارة وأكبر أسواق الرقيق. ورحل عنها إلى مدينة القرم. وكانت تابعة للسلطان محمد أوزبك، خان المغول المعروفين بالقبيلة الذهبية. وغادر القرم إلى أزاق وأشار إلى كثرة الخيل بتلك البلاد وإلى أن ثمنها زهيد فينقل التجار ألوفا منها الهند ويغنمون الأرباح الطائلة.

وانتقل إلى مدينة الماجر بالقوقاز حيث لقي يهوديا كلمه بالعربية وظهر أنه من الأندلس، وأنه قدر إلى القوقاز بطريق البر الأوروبي، وأن رحلته استغرقت حول أربعة أشهر، وعلم ابن بطوطة صحة ذلك من بعض التجار الآخرين ممن لهم المعرفة في هذا الشأن. وأعجب الرحالة بتعظيم النساء في تلك البلاد حتى قال: «وهن أعلى شأنا من الرجال.» ووصف بعض مواكبهن ولاحظ أنهن لا يحتجبن «وربما كان مع المرأة منهن زوجها، فيظنه من يراه بعض خدمها».

وتحدث ابن بطوطة عن السلطان محمد أوزبك وزار معسكره على أربعة أيام من مدينة الماجر في موضع يقال له «بش دغ». وكان هذا المعسكر مدينة عظيمة متنقلة «فيها المساجد والأسواق ودخان المطبخ صاعد في الهواء. وهم يطبخون في حال رحيلهم والعربات تجرها الخيل بهم» فإذا بلغوا المكان الذي يريدون المقام فيه، أنزلوا البيوت عن العربات وجعلوها على الأرض. وقد أفاض ابن بطوطة في الكلام على مواكب خواتينه أو نسائه الأربع.

وذكر الرحالة أن هذا السلطان أوفد معه دليلا لتوصيله إلى مدينة بلغار على الشاطئ الأيسر لنهر أتل (الفولجا). وقد مر بنا ذكرها في الكلام على ابن فضلان. وأراد ابن بطوطة أن يجاوز هذه المدينة إلى الشمال لزيارة أرض الظلمة (سيبريا وشمالي روسيا) وبينها وبين مدينة بلغار أربعون يوما، ولكنه لم يفعل، فقال في رحلته: «ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤونة فيه وقلة الجدوى. والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار، تجرها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد، فلا تثبت قدما الآدمي ولا حافر الدابة فيها. والكلاب لها أظفار فتثبت أقدامها في الجليد. ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها، موقرة بطعامه وشرابه وحطبه، فإنها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر. والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي سار فيها مرارا كثيرة. وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب. ويكون هو المقدم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفت ... فإذا كملت للمسافرين الفلاة أربعون مرحلة نزلوا عند الظلمة وترك كل واحد منهم ما جاء به من المتاع هنالك، وعادوا إلى منزلهم المعتاد. فإذا كان من الغد لتفقد متاعهم. فيجدون بإزائه من السمور والسنجاب والقاقم. فإن أرضى صاحب المتاع ما وجده إزاء من متاعه أخذه، وإن لم يرضه تركه فيزيدونه. وربما رفعوا متاعهم، أعني أهل الظلمة، وتركوا أمتاع التجار، وهكذا بيعهم وشراؤهم. ولا يعلم الذين يتوجهون إلى هنالك من يبايعهم ... والقاقم هو أحسن أنواع الفراء، وتساوي الفروة منه ببلاد الهند ألف دينار ... وهي شديدة البياض من جلد حيوان صغير في طول الشبر وذنبه طويل، يتركونه في الفروة على حاله. والسمور دون ذلك. تساوي الفروة منه أربعمائة دينار فما دونها.»

الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطى · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطىص ٣٩