تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

170

وليست صعوبة التحديد أمرا غريبا إذا تذكرنا أن زخرفة الأقمشة بالأشرطة والعصابات أمر ذاع في الشرق الإسلامي كله من الهند إلى الأندلس، كما أن تكرار الموضوعات الزخرفية مع مراعاة التناسب والتعادل لم يكن قاصرا على إقليم دون آخر. (4) الخزف

الخزف من أقدم المصنوعات التي عرفها الإنسان، وهو من أهم الأشياء التي يعثر عليها المنقبون عن الآثار، والتي يستنبطون منها درجة المدنية ونوع الحضارة التي بلغتها الشعوب المختلفة في شتى العصور.

171

والخزف في اللغة: ما عمل من الطين وشوي بالنار فصار فخارا. ولا حاجة بنا إلى أن نذكر هنا تطور صناعته، وكيف كان الإنسان يصنعه في أول الأمر عاريا عن الزينة، أو مزخرفا ببعض الرسوم الهندسية أو رسوم الحيوانات والطيور بطريقة أولية وتقليدية تشعر بأن الإنسان الذي كان يعيش وسط الطبيعة لم يكن يحسن محاكاتها بعد، ثم اهتدى إلى مواد زجاجية يصنع بها طلاء ليسد مسام الفخار، ويكسبه نظافة وجمالا، ثم عمد إلى تزيينه بالرسوم المختلفة قبل أن يكسوه بالمينا، وهي المادة الزجاجية التي تجمد في الفرن فتكسب الخزف صقلا ولمعانا.

وقد كانت صناعة الخزف زاهرة في أكثر البلاد التي أخضعها الإسلام لسلطانه،

172

وتطورت هذه الصناعة في سبيل التقدم والرقي بعد أن ساد الإسلام في الشرق الأدنى وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. ولعل كثرة العناصر التي قامت عليها صناعة الخزف في الإسلام سبب ما نراه في دراسته من صعوبة، وما يكتنف بعض مسائلها من إبهام وغموض.

وحسبنا أن نشير إلى مسألة الخزف ذي البريق المعدني

Lustre

واختلاف الآراء في نشأته؛ فمن قائل: بأنه نشأ في مصر ومدل بحججه في هذا الميدان، إلى آخر يفند هذه الحجج ويقول بأن الفخاريين العراقيين هم الذين كشفوا سر هذه الصناعة، إلى ثالث يرى في إيران مهدها وموطنها. وقد عرضنا لهذا الموضوع في كتابنا الفن الإسلامي في مصر؛

173

ولاحظنا أننا لا نملك أي دليل على وجود أي خزف ذي بريق معدني في الفسطاط قبل القرن الثالث الهجري، ولا سيما قبل العصر الطولوني، وقلنا: إننا نميل إلى أن ننسب إلى العراق نشأة الخزف المذكور، وإننا نظن أن صناعته نقلت إلى مصر على يد أحمد بن طولون.

ومهما يكن من شيء فإن أنواع الخزف التي سادت صناعتها في العصر الفاطمي لم تكن وليدة هذا العصر؛ بل مهدت لقيامها القرون السابقة، وكان قدوم أحمد بن طولون إلى وادي النيل باعثا على ازدهار الفنون الإسلامية في مصر، وتأثرها بالأساليب الفنية العراقية فنمت صناعة الخزف ذي البريق المعدني،

174

حتى جاء العصر الفاطمي فكانت راسخة القدم، وأتيح للخزفيين الفاطميين أن ينتجوا من الأواني ما ذاعت شهرته، وأعجب به المعاصرون - وعلى رأسهم ناصر خسرو - إعجابنا بما وصلنا منه. وإن يكن مما يؤسف له أن النماذج السليمة التي نعرفها منه نادرة جدا؛ فإن جل ما نعرفه منه وجد في أطلال مدينة الفسطاط التي كانت عامرة في عصر الفاطميين، قبل أن يأمر الوزير شاور سنة (564ه/1168م) بحرقها، حتى لا تقع في يد الصليبيين حين تدخلوا فيما كان بين وزراء الفواطم من نزاع ومنافسات.

175

والمعروف أن سكان القاهرة وسكان الأجزاء التي عمرت من الفسطاط بعد هذا الحريق كانوا يلقون نفاية منازلهم فوق الأطلال القريبة منهم.

176

وعلى كل حال فإننا نرى أن فخر صناعة الفخار في العصر الفاطمي هو ذلك الخزف ذو البريق المعدني الذي ذكرنا أنه كان يرد من العراق إلى مصر منذ قيام الدولة الطولونية، والذي نعرف أن الفخاريين المصريين علموا على تقليده كما يظهر من قطع ذات بريق معدني عثر عليها في أطلال الفسطاط، وأكثرها ذو لون واحد، وتمتاز بطبيعتها التي تميل إلى الاحمرار، وبرقة الطلاء الذي يغطي مسطحها الخارجي، وتشبه زخارفها ما نعرفه في الخزف المصنوع في سامرا.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٤٦