| المنسوجات
ذاعت شهرة المنسوجات الإيرانية منذ عصر هيرودوت، وكان أهل روما يدفعون فيها الأثمان الباهظة، ثم أقبل أهل بيزنطة على تقليدها، وبلغت صناعة النسج أوج عزها في العصر الساساني. وقد وصلت إلينا بعض قطع من المنسوجات الحريرية الساسانية. والزخارف مكونة في أكثر هذه القطع من مجموعات دوائر أو أشكال هندسية أخرى فيها رسوم حيوانات أو طيور أو فرسان في الصيد، متقابلة أو متدابرة، في ترتيب هندسي جميل. كما أن بين الحيوانات المتقابلة رسما تخطيطيا محورا عن الطبيعة ويمثل شجرة.
1
والمعروف أن الصينيين كانوا يعجبون بهذه المنسوجات الحريرية الساسانية، وأن حكام الأقاليم الصينية الواقعة بين الصين وإيران كانوا يقدمون من هذه المنسوجات جزية إلى ملوك الصين. والحق أن الإيرانيين في ذلك العصر البعيد وفقوا في ألوان منسوجاتهم جد التوفيق؛ فكان انسجام هذه الألوان وهدوءها يبرزان عظمة الزخارف ويكسبان القطعة سحرا وجمالا. (1) في فجر الإسلام
ولما انتشر الإسلام في إيران، وانقضى دور الزهد والتقشف الذي ساد العالم الإسلامي في نشأته، واختلط العرب بغيرهم من الأمم العريقة في المدنية، تقدمت الصناعات والفنون، ولقيت صناعة النسج تشجيعا خاصا في الأقاليم الإسلامية المختلفة لما سنه الخلفاء والأمراء في مكافأة رجالات الدولة بالخلع الثمينة من نفيس المنسوجات الحريرية.
وأفادت إيران بطبيعة الحال من توحيد جزء كبير من الشرق الأدنى تحت سلطان المسلمين، وما نتج عن ذلك من نشاط التجارة في إيران واتساع صادراتها من المنسوجات الحريرية إلى سائر الأقطار الإسلامية. وأكبر الظن أن الطبقة الأرستقراطية في عصر بني أمية وبني العباس كانت تقبل كثيرا على شراء المنسوجات النفيسة المصنوعة في إيران.
2
ومما يشهد بازدهار صناعة النسج بإيران في فجر الإسلام أن بعض المدن الإيرانية كانت تدفع الجزية عددا من منسوجاتها النفيسة، وترسله إلى بلاط الخليفة.
وقد كتب الجغرافيون والمؤرخون المسلمون في العصور الوسطى عن المدن الإيرانية وما كانت تنتجه من التحف ولا سيما المنسوجات، فإن ابن خرداذبة في كتاب «المسالك والممالك»، واليعقوبي في كتاب «البلدان»، وابن الفقيه في كتاب «البلدان»، وابن رسته في كتاب «الأعلاق النفيسة»، والمسعودي في كتاب «مروج الذهب»، والإصطخري في كتاب «مسالك الممالك»، وابن حوقل في كتاب «المسالك والممالك»، والمقدسي في كتاب «أحسن التقاسيم»، ثم ياقوت في «معجم البلدان»، هؤلاء كلهم وغيرهم من المؤلفين أطنبوا في الحديث عن ازدهار صناعة النسج في كثير من الأقاليم الإيرانية، ولا سيما تستر. وقد ذكر الإصطخري أنها كانت مركزا عظيما لإنتاج الديباج الذي كان يصدر إلى شتى بقاع الدنيا،
3
وكانت تصنع منه كسوة الكعبة، ثم أصبهان والري ونيسابور وقزوين ويزد وبصنا وقاشان وآمل ومرو وكازرون وشيراز، وقد كانت كلها تنتج من المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية ما ذاع صيته في العصور الوسطى.
4
وقد ذكر المسعودي وياقوت أن شابور ذا الأكتاف (شابور الثاني 310-379م)، كان قد غزا بلاد الجزيرة وآمد (ديار بكر)، وغير ذلك من المدن التي كانت تابعة للروم في ذلك الوقت، ونقل كثيرين من أهلها النساجين إلى إقليم خوزستان في إيران؛ فتناسلوا وازدهرت صناعة النسج في هذا الإقليم منذ ذلك التاريخ.
ومما يؤسف له أن كتابات المؤرخين في هذا الشأن ليست لها كل الفائدة المنتظرة؛ لأننا لا نستطيع بفضلها أن نصل إلى تحديد أنواع المنسوجات التي كانت تصنع بإيران في فجر الإسلام، ولا المراكز المختلفة التي كانت تنسج فيها.
ومهما يكن من الأمر فإننا لا نكاد نعرف اليوم نماذج تستحق الذكر من منتجات إيران في صناعة النسج في فجر الإسلام،