تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمتاز جلود الكتب الإسلامية عامة بأن كعوبها مستوية وغير بارزة، كما تمتاز بأنها تساوي ورق الكتاب في الحجم، وبأن جانبها الأيسر ذو امتداد يعرف باسم «اللسان». ولم يستخدم المسلمون في تجليد الكتب إلا الخشب والجلد ثم الورق المضغوط والمدهون باللاكيه؛ وذلك لأن تجنب الترف والبذخ صرفهم عن استخدام الذهب والمعادن النفيسة في التجليد كما فعل أهل بيزنطة.

وقد نقلت أساليب التجليد القبطية التي ورثها المسلمون إلى سائر أنحاء الشرق الأدنى والأوسط على يد النساطرة؛ فاقتبسها المانويون مثلا في بلاد التركستان الشرقية، كما تشهد بذلك جلود الكتب التي عثر عليها فون لوكوك مدير البعثة الأثرية الألمانية التي نقبت عن الآثار في «طرفان» من أعمال أواسط آسيا، وهي جلود مخطوطات مانوية، ويمكن نسبتها إلى ما بين القرنين السادس والتاسع بعد الميلاد ، ولا تختلف كثيرا في أساليب الصناعة والزخرفة عن جلود الكتب القبطية.

1

وليس بمستغرب أن تكون هناك علاقة بين الأقباط وأتباع المذهب المانوي؛ فقد كشفت في مصر حديثا كتب مانوية مكتوبة باللغة القبطية.

وكذلك امتد نفوذ الأساليب القبطية الإسلامية في التجليد إلى إيران؛ فكانت الجلود الأولى من الخشب المغطى بالجلد والمزين بالرسوم الهندسية، ثم استخدم الورق عوضا عن الخشب واستخدمت الزخارف المكونة من الرسوم والخطوط المتشابكة.

بل إن ذلك النفوذ امتد أيضا إلى بلاد منغوليا في أواسط آسيا؛ حيث عثر في أطلال مدينة كانت عامرة في العصور الوسطى على جلد كتاب ينسب إلى القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وعليه زخارف من إطار ذي فروع نباتية عربية، وفي وسطه جامة أو صرة من جدايل، وفي كل من الأركان الأربعة ربع جامة.

ومهما يكن من الأمر فقد استخدم الإيرانيون في التجليد طريقة الدق؛ أي الضغط، كما استخدموا أيضا التخريم والدهان والتلبيس بالقماش. وكانوا أحيانا يقطعون الجلد بالرسم المخصوص الذي يريدونه، ثم يلصقونه على القماش الملون، ويذهبون الخطوط والرسوم بعد ذلك. واستخدموا في بعض الأحيان طريقة قوامها طبقتان من الجلد تلصق إحداهما فوق الأخرى بعد أن تخرق الموضوعات الزخرفية المطلوبة في الطبقة العليا.

وقد عرف المسلمون التجليد في إيران وغيرها من الأقاليم الإسلامية في القرون الأولى بعد الهجرة، وذكر ابن النديم في كتابه الفهرست أسماء بعض المجلدين كابن أبي الحريش الذي كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون، ولكن أقدم ما نعرفه من جلود الكتب الإيرانية يرجع إلى نهاية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وإلى القرن الثامن (الرابع عشر الميلادي). أما الذي يرجع إلى القرن السابع فجزء من جلد كتاب عثر عليه الأستاذ بوب

A. U. Pope

بالمسجد الجامع في نايين، وفي وسطه زخرفة من أشكال هندسية صليبية الشكل، بينما وصلنا من القرن الثامن (الرابع عشر الميلادي) عدد قليل من الجلود محفوظة بمتحف الفنون الإسلامية والتركية في إستانبول.

2

وأعظمها شأنا جلد مصحف للسلطان الجايتو سنة 710ه/1310م وجلد مخطوط من تبريز وتاريخه سنة 735ه/1334م، وكل هذه الجلود ذات زخارف هندسية وجامات وإطار من الخطوط المتشابكة.

وقد قيل إن تيمورلنك في نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) استقدم إلى بلاطه مهرة المجلدين في مصر والشام.

3

وهكذا نرى أن الزعامة في هذه الصناعة ظلت إلى عصر تيمور معقودة لهذين البلدين.

على أن صناعة التجليد الإيرانية لم تبلغ أوج عظمتها ولم تصبح إيرانية حقا إلا في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) على يد المجلدين من مدرسة هراة. ولا غرو فقد عرفنا أن هذا العصر شهد في إيران إنتاج أفخر المخطوطات ذات الخط الجميل والزخارف المذهبة والصور البديعة والجلود الثمينة؛ وذلك بفضل النهضة الفنية في البلاد، وبفضل المجامع التي أنشأها لفنون الكتاب شاه رخ وبايسنقر، وجمعا فيها الفنانين من كل أطراف المملكة.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٤٥