وينسب اختراع خط «نستعليق» إلى «قبلة الكتاب» مير علي التبريزي الذي كان من خدمة تيمور، وخلفه ابنه عبد الله فأتم بعض التفاصيل في هذا الخط الجديد. وكان له تلميذان مشهوران: أولهما مولانا جعفر التبريزي الذي كانت له رئاسة أربعين خطاطا كانوا يشتغلون دائما للأمير بايسنقر، والثاني هو «أستاذ الأساتذة» مولانا أظهر التبريزي ( ∆
880ه؛ أي 1475م). وقد كان يحب الأسفار، فتنقل بين هراة وكرمان ويزد وأصفهان وشيراز وبغداد ودمشق وحلب وبيت المقدس، وانتشر أسلوبه في الخط فعم أقاليم الشرق الأدنى وإيران. ومن أعظم تلاميذه سلطان علي المشهدي الذي ذاع صيته في بلاط السلطان حسين ميرزا بمدينة هراة بين عامي 875 و912ه/1470-1506م.
وممن أصابوا بعد ذلك شهرة واسعة في ميدان الخط سلطان محمد نور (وهو ابن السلطان علي المشهدي)، وزين الدين محمود المشهدي، ومير علي الحسيني ومحمود بن مرتضى الكاتب الحسيني، وشاه محمود النيسابوري ( ∆
نحو سنة 952ه؛ أي 1545م)، الذي اشتغل في بلاط الشاه إسماعيل الصفوي، ثم كتب المخطوط المشهور من كتاب المنظومات «الخمسة» للشاعر نظامي، وهو محفوظ الآن بالمتحف البريطاني.
4
كما اشتهر أيضا شاه قاسم التبريزي الذي قضى آخر أيامه في القسطنطينية، ونقل إليها أساليب الإيرانيين في الخط.
والحق أن العصر التيموري كان العصر الذهبي في تاريخ تحسين الخط بإيران؛ فقد شمله بنو تيمور برعايتهم، وكان الأمير بدر الدين أحد وزراء تيمور من أعلام الخطاطين في عصره، كما أن إبراهيم ميرزا وبايسنقر ميرزا حفيدي تيمور كانا من الخطاطين المشهورين. وقد ظهر في العصر التيموري نوعان آخران من الخط: هما الخط الديواني والخط الدشتي.
وكان طبيعيا أن تنمو صناعة الورق الثمين، حتى توصل الإيرانيون في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) إلى أن يصنعوا منه أنواعا فاخرة من الحرير والكتان، عنوا بضغطها وإكسابها بعض الألوان وتلميعها؛ لتليق بدواوين الشعر اللطيفة التي كانت تكتب عليها. واشتهرت بعض المدن مثل تبريز ودولت أباد بأنواع ممتازة من الورق، كانت مراسيم الدولة وأوامر السلاطين والأمراء تكتب على أنواع معينة منها، ولا سيما على ذلك النوع الرخامي الشكل الذي اختصت إيران بإنتاجه، والذي امتاز بما فيه من تموج وتعاريج وعروق تجعله يشبه المرمر. وفضلا عن ذلك كله فقد كان الإيرانيون يستوردون من الصين ضروبا أخرى من الورق الفاخر، وكان الصينيون - كما نعرف - ينتجون أحسن أنواع الورق، كما كان للخط الجميل عندهم منزلة عظيمة فقرنوه بالأعمال الإلهية المقدسة.
وصفوة القول أن توضيح المخطوطات بالصور وتحليتها بالرسوم الملونة كان في المرتبة الثانية بالنسبة إلى كتابتها بالخط الجميل، وأن الخطاطين الإيرانيين كانوا يكتبون الأدعية وأبيات الشعر وعبارات الحكمة في أوراق، كان الهواة يبذلون الأموال الطائلة في سبيل الحصول عليها، كما يدفع الغربيون الآن الأثمان العالية للحصول على اللوحات المصورة بريشة أعلام المصورين.
وقد صنف المستشرق الفرنسي كليمان هوار
Clément Huart
كتابا عن الخطوط الإسلامية وأعلام من اشتغلوا بفنون الكتاب في الشرق الإسلامي؛ فنقل فيه ما جاء من تراجم الخطاطين في بعض الكتب التركية والإيرانية.
على أن المقام لا يتسع هنا للكلام على الكتابات الجميلة التي كانت تزين العمائر الإيرانية، فضلا عن أننا لا نعتبرها إيرانية حقة، فمثل هذه الزخارف الكتابية لم يكن وقفا على إقليم معين من العالم الإسلامي، بل انتشر في كافة أنحائه حتى إننا لا نشعر بحاجة قصوى إلى الكلام عليه حين نتحدث في شيء من الاختصار عن الفنون الإيرانية ومميزاتها.
5 (2) التذهيب
إن أعظم المخطوطات القديمة شأنا من الوجهة الفنية، هي المصاحف التي كانت تكتب بين القرنين الرابع والسادس بعد الهجرة (العاشر والثاني عشر بعد الميلاد) والتي كانت تذهب وتزين بأدق الرسوم وأبدعها؛ ولا غرو فقد كان الفنانون الذين يزينون الصفحات المكتوبة أرفع الفنانين قدرا بعد الخطاطين أنفسهم، وكان المذهب أعظم أولئك الفنانين شأنا. وحسبنا دلالة على علو مكانته أن كثيرين من المصورين كانوا يضيفون إلى أسمائهم لفظ «مذهب»، وأن المؤرخين كانوا يعنون بالنص على أن بعض المصورين كانوا مذهبين أيضا.