تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوفي الخليفة المعتمد بعد ذلك ببضع سنوات، وتزوج خلفه المعتضد بقطر الندى ابنة خمارويه، وزعم كثير من المؤرخين أن الخليفة قصد بذلك إفقار بني طولون؛ فقد كان خمارويه مسرفا جد الإسراف، تواقا إلى الأبهة والعظمة، فجهز ابنته بما لم تجهز به عروس من قبل، واستنزف ذلك وغيره خزائن الدولة؛ حتى تركها خاوية حين قتله خدمه سنة 896.

وتطرق الاضمحلال إلى دولة بني طولون بعد وفاة خمارويه، وولي البلاد بعده ابنه جيش، فتنكر لقواد أبيه ولكبار رجال الدولة، وانغمس في اللهو والشراب؛ فخلع وقتل. وخلفه أخوه هارون بن خمارويه، ولكن الداء كان قد تمكن في إدارة البلاد، وظهرت روح الثورة في الجند، وانقسموا فرقا يؤيد كل منها قائدا من قواد الجيش، وزاد الطين بلة أن ظهر القرامطة في الشام وهددوا مصر؛ فسار إليهم جيش منها عاد بالهزيمة.

وكان الخليفة المعتضد قد توفي وخلفه المكتفي؛ فأرسل هذا لإخضاع القرامطة جيشا على رأسه محمد بن سليمان، أوقع بهم هزيمة كبرى. ثم واصل السير إلى مصر، ولم يلق فيها مقاومة تذكر، وحاول المصريون إنقاذ الموقف بقتل هارون وتولية عمه شيبان بن أحمد بن طولون، ولكن ولاية هذا لم تزد عن بضعة أيام، واستطاع محمد بن سليمان وجنوده القضاء على الدولة الطولونية، وأصبحت مصر ثانية إقليما تابعا للخلافة العباسية، ترسل إليه الولاة من قبلها.

2

القسم الأول

| العمارة وزخرفة المباني

| تمهيد

أخذ الفن الإسلامي كثيرا من أصوله عن الفنون المسيحية الشرقية، كما تأثر كثيرا بفنون إيران وبغيرها من الفنون التي ازدهرت في البلاد التي فتحها العرب وكونوا منها إمبراطوريتهم العظيمة. ولا غرو؛ فقد كان العرب في شبه جزيرتهم بدوا لا حضارة لهم، ولم تكن بداوتهم هذه مرتعا خصبا لفن يترعرع بينهم، وينطبع بطابعهم؛ وإنما جاءت الفتوحات العربية، وامتدت الدولة الإسلامية واتسع نطاقها، واختلط العرب بأمم عريقة في المجد والمدنية؛ فأثروا في هذه الأمم وأثرت فيهم.

أما أثر العرب فواضح جلي؛ إذ إنهم فتحوا مصر، وفرضوا عليها ديانتهم ولغتهم، ونشروا الإسلام في بلاد إيران، وجعلوا العربية لغة العلم والأدب والدين، وانتهى الأمر بهم إلى التأثير في اللغة الفارسية تأثيرا كبيرا، نتبينه إذا علمنا أن هذه اللغة هندية أوروبية، كانت تشبه السنسكريتية القديمة، وكان الفرق بينها وبين اللغات السامية شاسعا، بيد أنها أصبحت بعد الفتح الإسلامي خليطا، فصارت تكتب بالحروف العربية، وأخذت عن اللغة العربية آلاف المفردات والتراكيب.

على أن هذه الأمم التي غلبت على أمرها أثرت بدورها في العرب، وكانت أكبر عون لهم على خلق فن إسلامي، طبعه العرب بطابع دينهم، وظهرت فيه شخصيتهم البارزة، ولكن أساسه مدنيات فارس وبيزنطة وآشور وكلديا ومصر. ولذا كان خطأ كبيرا أن يطلق على هذا الفن اسم الفن العربي كما فعل المستشرقون ومؤرخو الفن حتى أوائل القرن الحاضر، وكإطلاق اسم «دار الآثار العربية» على متحفنا الإسلامي في مصر.

ولعل أكثر ما اقتبس العرب في الفنون من الأمم المجاورة كان في العمارة، ولكنا لا نريد أن نعرض هنا للأبنية الإسلامية الأولى في المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام؛ فإن ذلك يكون خروجا عن موضوعنا الآن.

1

وأول مسجد أسسه العرب في مصر هو جامع عمرو، أو الجامع العتيق، بناه عمرو بن العاص سنة 642؛ فهو إذن من أقدم المساجد في الإسلام، ولكنا لا نظن أن قيمته كبيرة في دراسة تاريخ العمارة الإسلامية في مصر، نظرا للزيادات العديدة التي غيرت معالمه الأولى، وجعلته مزيجا من طرز مختلفة، ومن ثم آثرنا ألا نعرض لدراسته هنا، مكتفين بأن نحيل من يهتم بدراسته من القراء إلى البحث الذي نشره عنه كوربت بك سنة 1891 في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية، وإلى الأبحاث المختلفة التي كتبها عنه فان برشم

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولوني · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولونيص ٣