تذكروا أن الرسول يروي عن ربه تباركت أسماؤه، وهنا وجه الغرابة والعجب، وهل رأيتم أغرب وأعجب من أن يشهد الله على نفسه بأنه يراعي أحوال المجتمع فينقله في التشريع من وضع إلى وضع؟
هل تصدقون بأن الله وهو مالك الملك يضع نفسه من الناس موضع الأستاذ من التلاميذ؟
هل تصدقون بأن الله يشهد على نفسه بأنه يتدرج في هداية المخلوقات؟
عز شأن الله - فهو بكل شيء عليم - ولو شاء لخلق للناس شريعة أبدية لا ينالها تغيير ولا تعديل، ولكنه أراد أن يروضنا على أدب النفس، أراد أن يعلمنا التواضع، فهل تعلمنا التواضع؟
إن الله ينسخ آياته أو ينسيها رفقا بالمجتمع.
أما نحن فنحرص على آرائنا وأفكارنا ونقضي العمر في الدفاع عما نملك من أباطيل.
أين الحاكم أو الفيلسوف الذي يستطيع أن يعلن أنه كان في بعض آرائه من المخطئين؟
إن الرسول يخبرنا أن ربه كان يراعي أحوال المجتمع.
فمن هو المصلح الذي يترفق بالمجتمع؟ عز شأن الله، فما أراد إلا أن نتأدب، فهل تأدبنا؟
إن الإنسانية ترتطم كل لحظة في أضاليل الفلاسفة والمفكرين؛ لأن أكثرهم يموت وهو مصر على الضلال. •••
نحن على مائدة القرآن، فماذا نجد؟
نجده يقول:
من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون .
فنفهم قيمة اليقظة في السريرة الإنسانية.
ونجده يقول:
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم .
فنفهم أن نعيم الحواس متاع خسيس، وأن النعيم الأعظم هو النعيم في عالم المعاني.
ونجده يقول:
ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء .
فندرك أن الإنفاق في سبيل الخير من أشرف وسائل الجهاد.
ونجده يقول:
يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .
فنتذكر المآسي الموجعات التي نعاني مكارهها في كل صباح وفي كل مساء، فحياتنا مكدرة مرنقة بسبب الاستماع للوشايات والنمائم، لأننا نسمع في أصحابنا ومعارفنا وأصدقائنا كل قيل، ونرتب المقدمات والنتائج على ما نسمع، وقلما نتذكر أن من واجبنا ألا نصدق ما نسمع إلا بعد درس وتثبت وتبين وتحقيق، قلما نتذكر أن الحكم على الغائب لا يخلو من اعتساف، وسكوتنا عن مراجعة الواشين والنمامين، وتفريطنا في تقديمهم إلى ساحة الجزاء، كل ذلك غرس فيهم الطمأنينة إلى السلامة من عواقب ما يصنعون، فالنمام يضع بذور الفتنة بين الناس وهو مطمئن لأنه يعرف أننا في الأغلب نصدق كل ما نسمع، ولا نفكر في معاقبة المفترين.
هذه الآية عجيبة، ولكن تاريخها أعجب فقد نزلت في أعقاب غلطة كاد يقع فيها الرسول، ثم نجاه الله وحماه. •••
ومن عجائب القرآن أنه يجعل النبي
صلى الله عليه وسلم
إنسانا يخطئ ويصيب، وهو يوصي النبي بتأكيد هذا المعنى في أنفس الناس فيقول:
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
وفي أي عصر يقع هذا الكلام؟ في عصر كان أهله في كل أرض يرون النبوة ضربا من الألوهية، ويستبعدون أن يكون الرسل ناسا كسائر الناس، فلو كان محمد من الكاذبين لأوهم الجهال أن فيه نفحة ربانية.
ولكن هذا مستحيل على من يروي عن ربه هذا الحوار الطريف:
وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم