إبراهيم
هل تغفر لي ذنبي وقد غفرت لك ذنبك؟
لقد دامت عداوتنا سبع سنين، فإن عشت بعد اليوم سبع سنين فسأقضيها في حفظ عهدك، إن لم أقضها في البكاء عليك.
إبراهيم
إن الموت الذي عصف بشبابك لظلوم، وإن الرجل الذي يبكي عليك وأنت عدوه لرجل كريم، فهل تعرف أن ما وقع بيني وبينك لم يكن إلا نزوة شباب يغفرها العقلاء؟
الفصل الثامن والثلاثون
| خطبة المؤلف في تحية من كرموه بالنجف
أيها السادة
أبدأ كلمتي بالتحية الإسلامية التي يحرص عليها علماء النجف فأقول: السلام عليكم.
ثم أعتذر عن نفسي، فأنا أرتجل هذا الخطاب، والارتجال غير مأمون العواقب، وقد أطال خطباؤكم وشعراؤكم في الثناء علي، وهنا وجه الخطر، فلا بد من كلمة تشعر هذا الجمهور بأني خطيب، وأن من كرموني كانوا في حسن ظنهم صادقين، على أني سأعرف كيف أنقلكم إلى جو آخر يصرفكم عني، ويشغلكم بأنفسكم، وهذا الجو هو محادثة الشبان بواجب طالب العلم في النجف، فقد قرأت في مجلة الحضارة كلمات يراد بها التشكيك في قيمة الأنظمة القديمة، وهو تشكيك أوحاه الروح السائد في العصر الحديث.
ويهمني أن أحارب هذا التشكيك في مدينة النجف، فقد اتفق لي أن أحارب المناهج الأزهرية زمنا غير قليل، ولذلك شواهد ترونها في كتاب «البدائع» ثم علمتني الأيام أني كنت من المخطئين.
علمتني الأيام أن طلبة الأزهر سرقوا كلمة «المستقبل» من طلبة المدارس، وأخشى أن يقع هذا لطلبة العلم بالنجف.
علمتني الأيام أنه لا بد لنا من رجال يعيشون للعلم وحده فلا يكون لهم مستقبل ولا معاش، ولا يكون لهم مصير غير الفناء في خدمة الحق.
وبفضل هؤلاء الزاهدين كان للنجف تاريخ، وكان للأزهر تاريخ، ولو شئت لضربت المثل بنفسي، فأخوكم الدكتور زكي مبارك هو في الأصل شيخ أزهري كانت له عمامة أضخم من عمامة الشيخ اليعقوبي، ثم سما به الإخلاص حتى وجد من يقيم له حفلات التكريم في القاهرة والإسكندرية وباريس وبغداد والنجف، وحتى أنشئت في الثناء عليه عشرات الخطب والرسائل والقصائد، وحتى نشرت عنه رسالة باللغة الهولندية وتحدث عنه العلماء في المشرقين والمغربين.
وقد درست نفسي حق الدرس، فرأيت ذلك كله نعمة إلهية هي جزاء الإخلاص، فقد كنت أيها السادة طالب علم يتوكل على الله، وكان يضايقني أن أجد من يسألني عن مستقبلي، وأنا إلى اليوم لا أعرف مستقبلي، وإن كنت سمعت أني رجل له في مصر والعراق مكان مرموق.
وحفلات التكريم التي ظفرت بها مرات كثيرة من رجال في مثل كرمكم وإخلاصكم لا تنسيني أعظم كرامة رأيتها في حياتي، وهي كرامة وقعت في لحظة من لحظات البؤس يوم كنت طالبا في الأزهر الشريف، فقد كنت في ذلك العهد أحفظ زادي في المحفظة، محفظة الكتب، وكان زادي في كل يوم رغيفا جافا يابسا متجهم الملامح، واتفق مرة أن ضاق الوقت فدخلت عند أحد الفوالين لأغمس ذلك الرغيف في مرق الفول النابت، فهرست الرغيف بين راحتي مسرعا، ثم نظرت فرأيت يدي تفيضان بالدم القاني، دم الشاب المسكين الذي يريد أن ينتهب الوقت ليحضر درس التوحيد بعد المغرب.
ولكن الله عز شأنه رفع ذلك الشاب المسكين فنقله من الأزهر إلى الجامعة المصرية، ومن الجامعة المصرية إلى جامعة باريس، وجعله من كبار المؤلفين، وكتب له أن يكون في الطبقة الأولى بين كتاب اللغة العربية، لغة القرآن.
فأستحلفكم بالله ألا تذكروا طلبة العلم بالنجف بحاضرهم ومستقبلهم فتكدروا عليهم نعمة الفناء في خدمة اللغة والدين.
أرجو أن تذكروا دائما أن الفقراء أحباب الله، وأن الأنس بالكتاب الجيد أنضر وأشرف من الأنس بالقصر المنيف.
أرجو أن تأخذوا العبرة من موقع مدينة النجف، فهي في الواقع مدينة صحراوية، وكان لها مع ذلك شأن في حياة اللغة والدين.
أرجو أن تذكروا أن النعيم الحق هو نعيم النفس، وأن الربيع الحق هو ربيع القلب. أرجو أن تذكروا أن أسلافكم لم يكن لهم مستقبل إلا في الفردوس.