أما الفلك الصغيرة التي يمتطيها اللاهون والعابثون فلا تزال على العهد الذي عرفه الشاعر المفضال أبو نواس، ولكن قلما يغني فيها الملاحون كما كانوا يفعلون في الأيام الخوالي، وقد ساهرت النجم ليلتين على شاطئ دجلة لأسمع غناء الملاحين، ثم انصرفت وقد كادت أذني تصم من سكون الليل.
وحملني حب الدنيا على التفكير في بناء بيت على شاطئ دجلة فعرفت أن المتر المربع يباع بنحو دينارين، وكذلك عرفت أن أهل بغداد يعرفون قيمة الأرض على شاطئ ذلك النهر الجميل. •••
وكنت أنتظر أن تكون بغداد مدينة يغلب عليها اللهو واللعب والمجون، فرأيتها أعجوبة الأعاجيب في الجد والنشاط، ولقد زرت نحو عشرين مدينة من المدن العالية فلم أر من صور الجد والاهتمام والمصابرة معشار ما رأيت في بغداد، فحيثما نظرت رأيت ناسا يعدون إلى أعمالهم عدو الظليم، وشهدت الناس يغدون ويروحون وعلى وجوههم أمارات الجد الرزين، والمدارس في بغداد هي اليوم مصانع لسبك الرجال، ويندر أن تجد شابا يضيع وقته على نحو ما ترى في بعض مدارس القاهرة أو مدارس باريس.
والبغداديون يمتلكون مدينتهم تمام الامتلاك، فهم السادة الأعلون، ولا يسود في مدينتهم من الأجانب إلا عدد قليل، وسيكون من حظهم في المستقبل أن يقولوا نحن حضرنا مدينتنا ولم يساعدنا على تحضيرها واغل من العالم القديم أو العالم الجديد.
ولقد شهدت آثار هذا الجد حين رأيت تلاميذي في دار المعلمين العالية، فهم شبان أذكياء تكفيهم اللمحة، ولا أحتاج في تفهيمهم أدق المشكلات إلى أدنى عناء.
وكذلك يحدثني الأساتذة المصريون الذين يدرسون في كلية الحقوق فهم يشهدون بأن تلاميذهم فوق ما كانوا ينتظرون، وأنهم يفهمون أدق المشكلات بقليل من البيان.
وكنت أنتظر أن تكون بغداد ميدانا للجدل والصيال على نحو ما كانت في عهود المتكلمين، فكانت كما انتظرت، فهي اليوم تزخر بالأدباء والمفكرين الذين يملأون الأسمار بأجود ما تجود به العقول، ويكفي أن يكون فيها رضا الشبيبي وزير المعارف، وطه الراوي مدير التعليم، فهذان الرجلان يصوران ما امتازت به العقلية العراقية في قديم الزمان.
وأشهد صادقا أني ما صادفت رجلا من المفكرين في بغداد إلا انتفعت منه أجزل انتفاع، ولا رأيت كاتبا ولا عالما إلا تذكرت الجاحظ وابن العميد.
وليت أدباء القاهرة يعرفون أن مؤلفاتهم تقرأ في بغداد، وليت أصحاب المجلات في القاهرة يعرفون أن لهم قراء في العراق، فلو عرف زملاؤنا في مصر شيئا من ذلك لحاسبوا أنفسهم بعض الحساب، ففي العراق موازين يعرف بها النقصان والرجحان، وفي العراق رجال يميزون بين الطيب والخبيث والغث والسمين، وأدباء مصر لهم في العراق خصوم وأنصار لا يخفى عنهم الحق ولا تجوز عليهم الأباطيل. •••
وكنت أتصور بغداد مدينة أثر فيها الاحتلال، احتلال الترك أو احتلال الانجليز، فوجدتها مدينة عربية في كل شيء، ولا تغلب فيها لغة الترك ولا لغة الانجليز، فالعراق من هذه الناحية يشبه مصر، فهو يبتلع كل شيء، ولا يؤثر فيه شيء، ولعل لماضيه أثرا في ذلك، فهو لا يزال يعتقد أنه دان الأمم العربية جمعاء، وهو من أجل ذلك يرفض السيطرة الأجنبية، فإن رأيتموه يستعين العلماء المصريين في بعض شؤونه فاعلموا أنه يرى المصريين إخوة أشقاء ولا يراهم أجانب، وهذا معنى لمسته بنفسي وقابلته بأصدق آيات الثناء.
وكنت أتصور بغداد مدينة شغلتها الصروف عن تقاليد الإسلام، فراقني أن أراها مدينة إسلامية في كل شيء، وما ظنكم بمدينة تعيش في القرن العشرين وهي مع ذلك لا تسمح لإنسان بأن يدخن سيجارة في رمضان، ولا يفتح فيها مطعم ولا مشرب ولا حانة في أيام الصيام؟
هل تصدقون أن الخروج على آداب الصوم يجر الرجل إلى دار الشرطة حيث يلقى سوء الحساب؟ هل تصدقون أن رجال الشرطة في بغداد يراقبون الناس في الطرقات عساهم يظفرون بمسلم جاهل يتظاهر بالإفطار ليزجوا به في غيابات السجون؟ هل تصدقون أن النصارى واليهود في بغداد يحترمون رمضان مراعاة لخواطر المسلمين؟