تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت والله مستعدا لقبول هذه النصائح الغالية، ولكن هل أنصفني هؤلاء الناصحون وقد كنت بلا جدال أعظم المؤلفين في علم الأخلاق؟

أحب أن أعرف من هم الناس الذين يستحقون أن أصطنع في معاملتهم مذاهب الرياء؟

لقد أقنعتني عقيدتي بأن رزقي عند ربي، وما أذكر أبدا أن الله عز شأنه عاقبني بالجوع، فلتكن حياتي هي الشاهد على أن الأرزاق بيد الله لا بيد الناس.

وما أزعم أنني أتقى الأتقياء، فعلم ذلك عند ربي، وإنما أستطيع أن أؤكد أنني أقوى دينا وأصح عقيدة من بعض الذين تسنموا أعلى المناصب بفضل الرياء.

وأعود إلى صميم الموضوع فأقول: إن الكاتب الذي أراد أن يشكك القراء في حقيقة ليلى زعم أن (الاسطوانة) التي تصدح:

يقولون ليلى في العراق مريضة

فياليتني كنت الطبيب المداويا

زعم هذا الكاتب أن هذه أنشودة تغنيها مطربة، لا أكثر ولا أقل، كذلك والله قال، وما أفتري عليه، فمن كان في ريب من ذلك فليراجع العدد (592) من جريدة الصباح.

فما رأيه إذا أحلته على ما سينشر في مجلة الرسالة من أخبار ليلى؟ إنه إن أطاعني وقرأ تلك السلسلة فسيعرف أن السيدة نادرة لم تغن تلك الأنشودة بلا سبب، ولولا الخوف من تبديد أسلوب القصة في مجلة الرسالة لعجلت بنشر الحقيقة على صفحات الصباح، وذلك ما لا يرضيك يا سيد مصطفى، وأنت من أعرف الناس بحقوق الزملاء.

ثم ماذا؟ ثم ماذا؟

ثم يصرح صاحبكم بأن ليلاي مصرية لا عراقية، وأنها تقيم بالزمالك أهلا وسهلا، وهل أنكر أن هناك ليلى تقيم بالزمالك، وأن بيني وبينها أشياء؟

هذا حق، ولكن صاحبكم يفتري ولا مؤاخذة حين يزعم أنه زارها معي بصحبة الدكتور سعيد عبده، فمتى كانت هذه الزيارة؟ إنني لا أذكر أبدا أنه صحبني إلى ليلى المريضة في الزمالك، وإنما أذكر أنه كان في معيتي هو وسعيد عبده حين ذهبت لزيارة ليلى المريضة في مصر الجديدة، وكان الذي دعانا لزيارتها أمير الشعراء شوقي طيب الله ثراه.

صديقي

معذرة إليك إذا أطلت القول فقد ثارت شجوني.

كان شوقي رحمه الله أراد أن يعرف بعض المستور من خلائق النساء فدعا ثلاثة لزيارة ليلى، وأنا أولهم وثانيهم محمد وثالثهم سعيد، وكنت يومئذ شيخا معمما، شيخا ضئيلا دميما لا يقام له ميزان، وكان محمد وسعيد من أجمل الشبان في القاهرة، على ماضيهما السلام، فلما دخلنا على ليلى لم تأنس بوجه غير وجهي، فهل كانت تنافق؟ ذلك ما زعمه صديقنا محمد وأخونا سعيد.

أما شوقي رحمه الله فصرح بأن عندي مزايا تفتن النساء، وتفضل رحمه الله فأعطاني ثلاثين جنيها أستعين بها على طبع كتاب (حب ابن أبي ربيعة) ولولا تلك المنحة لعجزت عن إخراج ذلك الكتاب الطريف الذي طبع ثلاث مرات.

يا لوعة القلب!

ويا غضبة الله على الأديب الذي أثار هذه الذكريات!

فقد كانت تلك السيدة تحب وتعشق.

كانت تحب أبناءها وتعشق زوجها.

وكان زوجها من الغادرين، وأبناؤها من أهل العقوق.

وكنت أستطيع أن أمزج هواها بهواي، وأنا رجل قاتل النظرات، ولا أذكر أبدا أني رميت سهما فطاش، ولكن في صدري بقايا من المروءة ورثتها عن أبي وجدي.

وكذلك رأيت أن أترك تلك السيدة لزوجها وأبناءئها، ولكنها - واحر قلباه - ماتت بعد ذلك بعامين اثنين.

فإن سمعتم أن في مصر الجديدة شارعا لا أمر به في الليالي المقمرة فاعلموا أنه الشارع الذي كانت تقيم فيه تلك السيدة الحسناء، على روحها أطيب الرحمات.

لا تذكروني أيها الأصدقاء بما عانيت في حياتي من لواذع الوجدان، وانسوني قليلا لأنسى أحزاني، فقد طال ما قاسيت من شقاء الروح وعذاب الفؤاد.

الفصل السابع والعشرون

| إلى ليلى المريضة في الزمالك

سيدتي

أشكر لك مرة ثانية ما تفضلت به من الكلمات الطيبات التي عطرت بها صفحات الصباح، وليتك تعرفين كيف تقع كلماتك على قلبي، إنها يا مولاتي تفعل به ما يفعل الندى بالزهر الظمآن، وهو قلب مفطور مجروح، عافاك الله مما يعاني!

وحي بغداد · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٤٧