اسألي عن أهلي يا سيدتي لتعرفي أني من قوم تشيب نواصيهم ولا تشيب أبدانهم ولا قلوبهم.
ومعاذ الأدب والذوق أن أنبهك إلى خطأ ستندمين عليه يوم أعود.
ولكن متى أعود؟
اشتقت إلى الضلال في الزمالك.
اشتقت إلى المنزل الذي لم تسدل ستائره على قلب أشرف من قلبي. اشتقت إلى المنزل الذي كانت تحييني أحجاره حين أشرفه بقدمي. اشتقت إلى الإنسانة الغالية التي كانت تراني أعظم نعمة عرفها الوجود. اشتقت إلى الجدائل المعطرة التي أخذت منها «خصلتين» أدفع بهما قسوة الوحشة في أيام الاغتراب.
ولكن من صاحبة هذه الجدائل؟
من هي؟ من هي؟
لن تعرفي ولن يعرف اللئام الذين يلاحونني على صفحات الصباح.
ولو سألني فاطر الأرض والسموات لأنكرت وكتمت، فليس في الدنيا كلها غير عاشق واحد يكتم أسرار الملاح هو صاحب «النثر الفني» الرجل الذي تعرفين ويعرفون.
ثم ماذا؟ ثم ماذا؟
ثم تقولين إنني عجزت عن مداواتك، وعجز معي الدكتور سعيد عبده والأستاذ محمد، وإن شفاءك وقع على يدي الشاب الظريف، وأنا لا أستبعد ذلك فالله عز شأنه قد يضع سره في أضعف خلقه، وما يسوؤني أن ينجح الشاب الظريف فهو تلميذي، ولو لم يكن تلميذي لما أمكن أبدا أن يكون شابا ظريفا.
ولكن كيف جاز لهذا الشاب الظريف أن يخرج على الأدب فيداوي مليحة عليلة بدون أن يستأذنني؟
وكيف جاز لك أيتها السيدة أن ترضي عن ثورة التلامذة على أساتذتهم؟ ألم يبلغك منشور وزارة المعارف؟
سيدتي
من أنت؟ من أنت؟ أحب أن أعرف من أنت لأنفض منك يدي إلى الأبد، فقد كان الظن أن يكون الموت أحب إليك من الخروج على الذوق، والذوق هو أثمن ما تملك المرأة، وهو عندنا قبل المال وقبل الجمال.
سيدتي
لقد سألتني أن أحمل عنك التحية إلى ليلاي بالعراق، وأنا أعتذر عن نقل هذه التحية، لأن ليلاي بالعراق ضحت بعافيتها في سبيلي وأبت أن تظهر لأعضاء المؤتمر الطبي، وقررت أن الغرق في دجلة أحب إليها من الخروج على الأدب مع طبيبها الخاص.
مولاتي
إن كان في هذه الرسالة شيء يسوء فاعذريني، فقد ألفت الشطط في مخاطبة الملاح، لأني عشت مدللا بين الملاح، وأنا مع هذا أفهم قيمة التضحية التي تقدمها سيدة حين تخاطب رجلا، أنا أفهم جيدا أنك صاحبة الفضل، وأعرف أن المعصم الجميل لا يتحرك لكتابة كلمة مثل كلمتك إلا وهو منفصل، ومثلي يحفظ الجميل ولا ينساه، وكل ما أرجوه أن تصوني قلبك فلا يعرف أسراره شاب ظريف ولا شاب سخيف، وأرجو ألا تكويك التجارب فتذكري نصيحتي بعد الأوان، والسلام.
الفصل الحادي والعشرون
| طبيب ليلى يوصى بنظارة طبية
للدكتور محمد صبحي بك
قالت جريدة العقاب البغدادية: «من طريف ما يذكر في حفلة افتتاح المؤتمر الطبي العربي أن الدكتور زكي مبارك الأديب العربي الكبير وأستاذ الأدب العربي في دار المعلمين العالية حضر الافتتاح بصفته دكتور «أبدان» لا دكتور «آداب» وقد قال عن نفسه إنه حضر لمداوة ليلى المريضة في العراق».»
والنكتة في الموضوع ليست بما ذكر أعلاه، وإنما هي في مركز الدكتور في الحفلة: فقد شوهد وهو يرتدي السدارة العراقية ويتقدم إلى الأطباء المصريين والسوريين مصافحا إياهم ومضيفا إلى ذلك هذه العبارة: «باسم العراق أحييكم».
وقد تقدم إلى أحد أصدقائه المعروفين من كبار أطباء مصر وتلقاه بهذه العبارة الرقيقة، فقال الطبيب: أنا الدكتور محمد صبحي
فقال له الدكتور زكي مبارك: من أي بلد قدمت؟ وفي أي فرع تخصصت؟
فأجاب: أنا مصري أشتغل بطب العيون.
فقال له الدكتور زكي مبارك: هل تسمح لطبيب ليلى أن يشير عليك بحمل نظارة طبية؟
فتنبه الدكتور صبحي وتلقى صديقه الدكتور مبارك المختفي تحت السدارة بالعناق والتقبيل، وسرت هذه النكتة بين أعضاء المؤتمر فكانت حديثهم في الصباح والمساء.
الفصل الثاني والعشرون
| حيران حيران