تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن ماذا أصنع وصاحب هذه المجلة يخدعه حسن الظن فيثق بإيماني ويدعوني لكتابة كلمة عن سيدنا رسول الله بمناسبة المولد الشريف؟

أعترف كارها بأني مؤمن، وفي سبيلك يا رسول الله أسجل هذا الاعتراف.

ولكن ما هي الشمائل التي تصلني بسيدنا رسول الله؟

إن هذا الرجل عظيم في كل نواحيه، ولكن في شمائله ناحية منسية هي الصبر الجميل.

وخلة الصبر في سيدنا رسول الله أنقذتني من الموت نحو عشرين مرة فقد كانت تمر بي أزمات أعاني فيها من لؤم الناس ما يشوقني إلى الموت، كنت أتسامى إلى الخير ويصدني عنه ما عند الناس من عقوق، كنت أطمح إلى البر ويصرفني عنه ما عند الناس من وجحود، كنت شيخا كسائر المشايخ لا يقدم كلمة النصح إلا لمن يقبل يمناه كنت مخلوقا صغيرا لا يتعب في سبيل الخير إلا إن ضمن الجزاء.

ثم هداني سيدنا رسول الله.

نعم هداني سيدنا رسول الله.

فبفضله عرفت أن الشر عنصر أصيل في حياة الإنسانية، ولو لم يكن الأمر كذلك لما جاز لهذا الروح الطاهر النبيل أن يقضي حياته كلها في هموم وكروب وأحزان؟

ومن أنا في جانب سيدنا رسول الله؟

لقد كان يزرع البر ويحصد العقوق، فما الذي يمنع من أن أتشبه به فأزرع البر لأحصد العقوق؟

لقد جعل العرب أمة عزيزة بعد أن استذلهم الفرس والرومان ومع ذلك اتهمه فريق منهم بالكذب والافتراء.

وأنا أحاول أن أغني اللغة العربية بحيث ينسى أبناؤها ما يفتنهم من أدب الإنجليز والفرنسيس والألمان والطليان، ومع ذلك أجد من يمضغ لحمي بلا تورع ولا استحياء.

لقد صبر النبي على قومه، فهل أصبر على قومي؟

هنا أتشوف إلى التأسي بسيدنا رسول الله. •••

قلت في صدر هذه الكلمة إن صحبتي للشيخ المرصفي قوت إيماني، ولكن صوت الشيخ المرصفي الذي قرع أذني أول مرة سنة 1913 لا يزال يعاودني، فما أدري كيف اتفق له وهو مؤمن أن يتوجع وهو ينشد قول يحيى بن طالب:

يزهدني في كل خير صنعته

إلى الناس ما جربت من قلة الشكر

وأنا أحب أن أترك هذا الأدب لأتأدب بأخلاق سيدنا رسول الله، أحب أن أتخلق بأخلاق هذا الرجل، فأخدم أعدائي، أحب أن أتطبع بطباع هذا الرجل فأواسي خصومي، أحب أن أكون كالشجرة يخبطها الناس بعنف لتلقي إليهم ثمارها، ثم تعود فتورق وتزهر وتثمر ليعود الأشقياء إلى خبطها من جديد. •••

ولكن كيف السبيل إلى الاقتداء بسيدنا رسول الله؟

في مكتبتي بمصر الجديدة خمس نسخ من المصحف الشريف.

وكان معي في باريس نسخة من المصحف الشريف.

وقد أخطأت نحو نفسي أبشع خطأ حين قدمت بغداد وليس معي نسخة من المصحف الشريف.

ولكن لا بأس فقد استعرت نسخة من المصحف حين قهرتني الهموم في بغداد، وفي هذا المصحف أقرأ هذه الآية:

إنا كفيناك المستهزئين ، فأعرف أن حمايتي في ضمان ربي.

وأقرأ هذه الآية:

ولا تك في ضيق مما يمكرون ، فأعرف أن من واجبي نحو نفسي أن أبتسم، وربما كان هذا من واجبي نحو ربي.

وأقرأ هذه الآية:

فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

فأفهم أن الحق سينتصر ولو بعد حين، وأحفظ رزانتي وألزم وقاري.

وما أقصد بغداد ولا أهل بغداد، فليس للعراق من وجهة العروبة وجود خاص، وإنما هو عضو من ذلك الجسم الهائل الذي تجتمع به الأمة العربية، وما ألقاه من الشر في العراق قد لا يصدر عن العراق، فالأقطار العربية تتجاذب الخير والشر، والعرف والنكر والرشد والغي، والسهم الذي يصيبني وأنا على ضفاف دجلة قد يكون راميه صديقا يقيم على ضفاف النيل.

سهم أصاب وراميه بذي سلم

من بالعراق لقد أبعدت مرماك

وذو سلم قريب بعض القرب من العراق فكيف يتفق للمقيم على ضفاف النيل أن يصيب من في العراق؟

لقد ترقت وسائط الحرب، فاحترس يا صاح، ثم احترس يا صاح.

أيها القارئ

هل عندك فكرة تخدم بها وطنك؟

هل عندك رأي ترفع به أمتك؟

هل أنت رجل فيه خصائص الرجال؟

وحي بغداد · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٢٠