تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإخواننا العرب يعجبون من تفرد مصر بالتفوق في اللغة العربية ، فإن أذنوا شرحت لهم بعض أسرار ذلك التفوق، فمصر هي الأمة الوحيدة التي استعربت استعرابا تاما، وصارت العربية لغتها الرسمية والقومية في مدة ترجع إلى ثلاثة عشر قرنا، وهذا حظ لم يظفر بمثله المغرب ولا الشام ولا العراق، فما انقرضت اللغة البربرية في المغرب ولا اللغة السريانية في الشام ولا العبرانية في فلسطين ولا اللغة الكلدانية في العراق، وإنا لنرجو أن يكون لمصر يد بيضاء في رجوع اللغة العربية إلى بلاد فارس بفضل المودة الجديدة التي أنشأتها المصاهرة الملكية بين مصر وإيران، فمن المؤكد أن قادة الرأي في تلك البلاد سيراعون عواطفنا مشكورين فلا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير كما فعل إخواننا الأتراك سامحهم الله حين استبدلوا الحروف اللاتينية بالحروف العربية.

وقد وقع بيني وبين سفير إيران في العراق عتاب حين رأيته أول مرة في بغداد، ولم أكن أعرف أن الله سيخلق بيننا وبينهم صلات جديدة تجعل من الحق علينا أن نذكرهم بماضيهم الجميل في خدمة القرآن يوم كان منهم كبار النحاة وكبار اللغويين.

إن فرنسا لها مدرسة في طهران لنشر اللغة الفرنسية بين أهل إيران، فمتى يجيء اليوم الذي تقوم فيه مدرسة عربية في وطن الجرجاني والتوحيدي وابن العميد؟

لقد ألفت كتاب «النثر الفني» أول مرة باللغة الفرنسية وأنا في باريس، وكان قلبي يفيض بالحزن الدامي كلما تذكرت أن أكثر من تحدثت عنهم في كتابي كانوا رجالا نشأوا في بلاد فارس، وأن لغة العرب في تلك البلاد صارت غريبة الوجه واليد واللسان.

وكذلك كان حالي حين ألفت كتاب «التصوف الإسلامي» فقد رأيت أن أطيب أرواح التصوف هبت علينا من الأقطار الفارسية.

فيا أصدقاءنا الأعزاء في إيران تذكروا، ثم تذكروا، تذكروا وأنتم مسلمون أبرار أن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة الرسول، وتذكروا أن الأمم العربية لها في العالم السياسي والأدبي والاقتصادي موازين، وأنها خليقة بأن تزيدكم قوة إلى قوة حين تراكم ترحبون باللغة العربية التي كان لها في بلادكم أبناء وأحفاد وأسباط.

أيها السادة

تلكم مكانة مصر بين الأمم العربية والإسلامية، وذلكم حظها بين الممالك والشعوب، وهذا التجاوب الأدبي بيننا وبين من نعرف ومن لا نعرف لم يقع من باب المصادفات، وإنما هو علامة حب صادق يضمره لمصر من عرف فضلها من الرجال.

وأخشى والحزن يفعم قلبي أن يكون ما ظفرنا به من المجد الأدبي ميراثا تلقيناه عن أجدادنا النبلاء الذين ملأوا الدنيا بالتأليف والتصنيف وجعلوا مصر تاجا تزدان به هامة اللغة العربية، أخشى أن لا تكون لنا سياسة مرسومة تفكر دائما في حفظ مكانة مصر بين الأمم العربية، أخشى أن نجهل نعمة الله علينا فننسى أننا أغنى الأمم العربية بالأموال والرجال، أخشى أن لا نعرف أن الجهاد في سبيل اللغة العربية هو مجد أبقى على الزمن من الأهرام ومن قصر الكرنك وقصر أنس الوجود.

إن اللغة العربية هي التي ستجعل لنا لسان صدق في الآخرين، وهي التي ستسطر محامدنا على جبين الزمان.

والذي أدعوكم إليه هو تجارة لا تعرف غير الربح.

فإن كنتم في ريب من ذلك فسيروا في الأرض وانظروا كيف تذكر مصر بالحمد والثناء.

إنني أفرض زيارة الشرق على رجلين: الأول وزير المعارف، والثاني وزير الخارجية.

أما وزير المعارف فهو اليوم معالي الدكتور محمد حسين هيكل باشا، وليته كان في بغداد كما كنت في بغداد يوم ظهر كتابه عن منزل الوحي، ليته كان هناك ليرى كيف استقبل البغداديون كتابه بموكب لم يعرفه القاهريون، وأما وزير الخارجية فهو اليوم دولة عبد الفتاح يحيى باشا، وليته يرى كيف يأنس أهل بغداد إلى صوره الكاريكاتورية في الجرائد والمجلات، إنه لو رأى ذلك لعرف أن مصر لا تعيش وحدها وإنما تعيش في أنس بأصدقائها في الشرق.

وحي بغداد · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٠٨