تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وما بينهما يؤذي إيذاء الحية؛ وأرباب البصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات وانشعاب فروعها، إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة».

9

ولا يقف الغزالي عند هذا التعليل الفلسفي، بل يمضي فيذكر أن لا غرابة في أن نرى الميت ساكنا وهو يعذب، فإن النائم قد يبدو ساكنا وهو يقاسي أمر الآلام، حين يعاني مضجرات الأحلام. «والحية بنفسها لا تؤلم، بل الذي يلقاك منها هو السم؛ ثم السم ليس هو الألم، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر»،

9

وكذلك يلقى الكافر في قبره عذاب العقارب والحيات، وإن لم تر العين أنه ملسوع أو ملدوغ.

الأدب الصوفي هو أدب المعاني

وجملة القول: أن كتب الصوفية تفيض بالأخيلة والصور والتعابير في روعة وقوة. ويزيد في جمال الأدب الصوفي أنه موصول بعلم النفس وأن له غاية نبيلة هي غرس الخلق الشريف في أنفس الرجال.

ولا يستطيب كتب التصوف إلا من يقبل عليها وهو يعرف أنها عصارة القلوب، وأنها آداب ناس عرفوا الدنيا وأهلها ثم ملوا المجتمع وانقلبوا عليه يصفون عيوبه ومقاتله بأقلام تنضح بالسم الزعاف.

هذا، وينبغي أن نعرف أن أدب الصوفية لم يجهل كله: فقد تنبه كثير من المؤلفين إلى ما في أجوبتهم من جوامع الكلم، فساقوا منها نماذج تفيد من يتطلع إلى مكارم الأخلاق.

وإليكم شذرات من أجوبة القوم:

قيل لسهل بن عبد الله المروزي: ما لك تكثر التصدق؟ فقال: لو أن رجلا أراد أن ينتقل من دار إلى دار، أكان يبقى في الأولى شيئا؟

وقيل للربيع بن خيثم وقد اعتل: ندعو لك بالطبيب؟ فقال: قد أردت ذلك فذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا، وعلمت أنه كان فيهم الداء والمداوي فهلكوا جميعا.

وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ فقال: محلة الأموات.

وقيل للحسن البصري: كيف ترى الدنيا؟ فقال: شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها.

وقيل للفضيل: إن ابنك يقول: وددت أني في مكان أرى الناس ولا يرونني. فقال: يا ويح ابني، أفلا أتمها فقال: لا أراهم ولا يرونني!

وقيل لبعض الصوفية: أي شيء أعجب عندك؟ فقال: قلب عرف الله ثم عصاه.

وقيل لآخر: ما لك كما تكلمت بكى كل من يسمعك، ولا يبكي من كلام واعظ المدينة أحد؟ فقال: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

وقيل للربيع بن خيثم : ما نراك تغتاب أحدا. فقال: لست عن حالي راضيا حتى أتفرغ لذم الناس.

وقيل لعبد الله بن المبارك: حتى متى تكتب كل ما تسمع؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.

وقيل لصوفي: ما صناعتكم؟ فقال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس.

وقيل للشبلي: لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: لأنه لا يأسف على الفائت، ولا ينتظر الوراد.

وقيل لابن السماك: ما الكمال؟ فقال: الكمال أن لا يعيب الرجل أحدا بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب حتى يهجم على آخر فتشغله عيوبه عن عيوب الناس، وأن لا يطلق لسانه ويده حتى يعلم: أفي طاعة أم في معصية؟ وأن لا يلتمس من الناس إلا ما يعلم أنه يعطيهم من نفسه مثله، وأن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم، وتوفية حقوقهم، وأن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من قوله.

وقيل للشبلي: من الرفيق؟ فقال: من أنت غاية شغله.

10 •••

ولهذه الحكم نظائر كثيرة مبعثرة في كتب الصوفية، وليس المهم هو الاستقصاء، وإنما المهم هو توجيه الأنظار إلى ذلك الأدب المجهول، وهو أدب خلا في جملته من الزخرف، ولكنه حافل بدقائق المعاني، والمعاني هي كل البلاغة عند أرباب القلوب.

ضريح الجنيد وبجانبه ضريح السري السقطي في بغداد وهما من أقطاب الصوفية.

| أخيلة أدبية في وصف الدنيا

الدنيا في القرآن والحديث

أكثر الصوفية من الأخيلة الأدبية في وصف الدنيا، وهم في هذا مسبوقون بالقرآن والحديث وكلام الأنبياء. ففي القرآن المجيد:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٤١