تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

فهذه الصورة في بكاء يحيى صورة رائعة، ومع روعتها لم يتحدث عنها أحد من الأدباء. ولو أن هذه الصورة نفسها أضيفت إلى مجنون ليلى لعدوها من الروائع، وتحدث عنها صاحب الأغاني وصاحب مصارع العشاق. لو نظمت هذه الصورة في أخبار رجل من أصحاب العشق الحسي لكانت متعة الأسمار والأحاديث، ولكنها أضيفت إلى أخبار من قضوا صرعى في ميادين الأشواق الربانية فتجاهلها الأخباريون.

أرأيتم قول يحيى:

اللهم هذه دموعي، وهذه أمي، وأنا عبدك، وأنت أرحم الراحمين.

أرأيتم كيف كانت تقابل هذه العبارة الرقيقة الباكية لو قالها شاعر في حضرة أحد الملوك؟

وبكاء الشجر والمدر، ما رأيكم فيه؟

ستضيفونه إلى بكاء السباع والوحوش والهوام في قصة داود، وتجعلونها جميعا من الأساطير! ولكن أكل أسطورة خبل في خبل وضلال في ضلال؟

إن أمثال هذه الأساطير لها صلة وثيقة بفهم الصوفية لحقيقة الوجود، فهم لا يرون أنفسهم منفصلين عن عوالم الجماد والنبات والحيوان. هم يحسون كأن الدنيا تتوجع لهم وتشفق مما يعانون؛ ويتجسم هذا الإحساس فيريهم أن الشجر والمدر والسباع والوحوش تذرف الدمع حين يأخذون في البكاء.

وهذه الشطحات تستحق العطف؛ لأنها تصدر عن ناس فنوا فناء تاما في الحب الإلهي، وبدت لهم ذنوبهم أثقل من الجبال، وخيل إليهم أن رحمة الله لا تنال بغير الدمع والأنين.

والبكاء في ذاته نفحة من النفحات الشعرية؛ لأنه لا يكون إلا من فيض الوجد وقوة الإحساس، وهو من وسائل الإفصاح عن أوجاع القلوب.

صورة أدبية ليوم الحساب

وقد تقع في كتب الصوفية صفحات من الأدب النبيل، ولكنها تظل من الأدب المجهول؛ لأن الأدباء شغلوا بالمحسوس عن المعقول، وإلا فأي صورة أبرع من الصورة التي وضعها الغزالي للزهد حين قال:

إن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله، وهو ليس في مكان حتى تكون السموات والأرض حجابا بينك وبينه، فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره، وشغلك بنفسك وشهواتك شغل بغيره، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله، والمشغول ببعض نفسه مشغول أيضا عن الله، بل كل ما سوى الله مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه. ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه. فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق ونقص فيه، فكذا النظر إلى غير المعشوق لبغضه شرك فيه ونقص. ولكن أحدهما أخف من الآخر، بل الكمال في أن لا يتلفت القلب إلى غير المحبوب بغضا أو حبا، فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة، فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله، كالمشغول بحبها، إلا أن المشغول بحبها غافل وهو في غفلته سالك في طريق البعد، والمشغول ببغضها غافل وهو في غفلته في طريق القرب.

5

أترون ما في هذه الصورة من الحسن؟ إن الكاتب يريد أن يقول: إن الزهد هو أن تزهد في الزهد، هو أن تخلو نفسك خلوا تاما من كل ما سوى الله، فلا تحب ولا تبغض، ولا تمدح ولا تقدح، ولا تثني ولا تلوم. وهذه الصورة تبدو جافية لمن يغفل أقدار المعاني. هي كالحسناء التي غفلت عن حسنها العيون؛ لأنها لا تعرف الزينة ولا تحسن أساليب الإغواء.

ومع ذلك نرى الكاتب قرب معانيه كل التقريب فضرب المثل بما بين العاشق والمعشوق. والصوفية يرون الناس لا يفهمون غير المحسوسات، ومن أجل ذلك يضربون بها الأمثال. وهم أنفسهم يرون العشق الحسي درجة من درجات العشق الروحي؛ لأن العشق في الأصل لا ينسجم إلا بين روح وروح.

ولكن لا مفر من الاعتراف بأن هذه الصور لا يقدرها حق قدرها إلا من يرى البلاغة في المعاني. أما الذين يقفون عند الألفاظ ويستهويهم بريق البديعة فالغزالي عندهم لا يعد في البلغاء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣٩